recent
أخبار ساخنة

تأملات في مفهوم الربا وأصوله الكلية في نصوص الشريعة والمذاهب الفقهية

الصفحة الرئيسية

 تأملات في مفهوم الربا وأصوله الكلية في نصوص الشريعة والمذاهب الفقهية


باب الربا في الفقه من أبواب المعاملات التي لها اهتمام في الكتب الفقهية من مختلف المذاهب والمدارس , وللعلماء في كثير من مسائله أخذ ورد بسبب اختلاف مداركهم وأفهامهم لنصوص الشريعة , سنحاول فيما نكتبه أن نجمع أصول الباب من حيث مفهوم الربا لدى الفقهاء وأصوله من نصوص الكتاب والسنة لعلنا نساهم في لم ما تفرق منه وربط الفروع بالأصول في هذا الجانب .

تأملات في مفهوم الربا وأصوله الكلية في نصوص الشريعة والمذاهب الفقهية

مفهوم الربا أصوله وأنواعه 


الربا في أصل معناه اللغوي اسم يطلق على المقدار الزائد , وقد يكون مصدرا بمعنى الزيادة قال تعالى (( وما أتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس )) , وقد يأتي بمعنى القرض الربوي كما قال تعالى (( وأحل الله البيع وحرم الرابا )) أي وحرم القرض الربوي .


أما في معناه الإصطلاحي فاختلفت عبارات الفقهاء في تحديده تحديدا دقيقا تبعا لاختلافاتهم الفقهية في بعض مسائله , وفي الجملة فهو يطلق عند الفقهاء على ثلاث معان أحدها هو المعنى الأصلي والأخران تابعان , أما المعنى الأصلي فهو ربا القرض ( النسيئة ) , وهو المعروف في عصرنا بالفائدة على القرض وهذه الفائدة تتحدد بأحد شيئين أو كليهما مقدار القرض ومقدار مدة القرض وهو المعنى الأصلي للربا .


أما المعنى الثاني والثالث فهما خاصان بربا البيوع وهما ربا النساء وربا الفضل , أما ربا النساء فهو متعلق بالتأخير أو التأجيل , وأما ربا الفضل فهو متعلق بالزيادة في المقدار عند مبادلة جنسين من نفس النوع كالذهب مع الذهب  .


أما عن أصول الربا فهي إما من القرض أو من البيع , فربا القرض ( النسيئة ) فهو زيادة في القرض مقابل تأجيله , وأما الربا في البيع فهو نوعان الأول ربا الفضل وهو مبادلة متجانسين يدا بيد أي على الفور لكن بزيادة في المقدار , والنوع الثاني من ربا البيوع ربا النساء وهو تأخير تسليم أحد المتجانسين .


الربا في نصوص الكتاب والسنة


جاء تحريم الربا صريحا في القرآن الكريم فقد قال تعالى (( وأحل الله البيع وحرم الربا )) , إلا ان التفصيل في أنواعه وأحكامه فلم يبينه القرآن الكريم فقد بينته السنة النبوية , والربا الذي تحدث عنه القرآن أكثر هو الربا القروض ( ربا النسيئة ) , واما ربا البيوع فقد بينته السنة أكثر , وقد جاء في السنة النبوية أكثر من عشرين حديثا حول موضوع الربا إلا أن أجمعها وأصلها هو الحديث الذي اخرجه الإمام مسلم وهو بألفاظ مختلفة .

(( الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ)) 

قوله (( الذهب بالذهب )) أي يباع الذهب بالذهب بالشروط المذكورة بعده , وفي الحديث عموم في كل ما هو ذهب سواء أكان منقوش أو غير منقوض جيد أو رديئ مغشوش او غير مغشوش , وسواء كان حليا أم غير حلي وقد نقل الإمام النووي وغيره الإجماع على هذا . وكذالك في قوله (( الفضة بالفضة )) فإنه يدخل فيه جميع أنواع الفضة كما مر القول في الذهب .


وما قيل في الذهب والفضة يقال في البُّر ( الحنطة ) والشعير والتمر والملح , وأما قوله (( مثلا بمثل سواء بسواء )) أي دون إختلاف في القدر سواء كان التقدير بالكيل أو الوزن , وقد جمع بين هذه الألفاظ تأكيدا على وجوب التماثل في البيع بين النوع الواحد , وقوله (( يدا بيد )) أي دون تأخير فيجب ان يتم البيع مع القبض دون تأجيل له . فلا بد من التساوي في تلاث أشياء النوع والمقدار والزمن .


وأما قوله (( فإذا اختلفت هذه الأصناف )) كبيع الذهب بالفضة (( فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد )) فإذا بيعت هذه الأجناس الربوية بعضها ببعض فلا بد من التقابض , فظاهر الحديث عدم جوزا بيع جنس ربوي بجنس آخر ولو اختلفا كالشعير والذهب إلا بالقبض وعدم التأجيل .


وقد حكى المغربي في شرحه على بلوغ المرام الإجماع على جواز بيع جنس ربوي بجنس آخر لا يشاركه في علة المنع مع التأجيل كبيع الشعير بالذهب مثلا , فيكون الإجماع إن صح مخصصا للعموم المستفاد من هذا اللفظ , وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين أن هذا العموم قد خصص بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كانوا يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال (( من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم )) .


وعلى هذا فالمستفاد من الحديث القاعدة التالية : 

إذا اتفق الجنس لا بد من التماثل والتقابض , واذا اختلف الجنس واتفقت العلة فلا بد من التقابض دون التماثل كبيع الذهب بالعملات مثلا , وإذا اختلف الجنس واختلفت العلة أو كان المال غير ربويا فلا يشترط شيئ لا التماثل ولا التقابض .


الأموال الربوية أو علة الربا في الأصناف الستة المذكورة في الحديث


هذا الحديث يتحدث حول ربا البيوع لا ربا القروض , وربا القروض امره واضح ولا إشكال فيه لدى الفقهاء أما ربا البيوع وهو موضوع هذا الحديث فهو موضع إشكال وهو أكثر ما يتحدث الفقهاء عنه في كتبهم , وقد ذهب العلماء قديما وحديثا إلى أن هذا الحديث هو أصل في عد الأموال الربوية , وهذه الأموال هي الأموال التي يدخلها الربا ويمكن تقسيمها لقسمين قسم النقود وقسم الأطعمة .


ومع ذالك فيجب التنبه إلى أن المال قد يكون ربويا أي يدخله الربا , ولكن المعاملة قد لا تكون ربوية , فإذا بيع مال ربوي بمال ربوي مع اختلاف في الجنس والعلة فإن المعاملة ليست ربوية كبيع الطعام بالنقود .


وعلى هذا إذا كان لدينا مال ننظر هل ربوي أم لا ؟ فإن لم يكن ربويا فالمعاملة ليست ربوية , أما إن كان ربويا فننظر هل يشترك مع المال الثاني في العلة أم لا , فإن اشتركا في العلة فالمعاملة ربوية وإن لم يشترك فليست ربوية .


والمشكلة التي سوف نقف أمامها ما هي علة الربا ( كونها أموالا ربوية ) في هذه الأصناف الستة المذكورة في الحديث .


بداية يمكن تقسيم ما ورد في الحديث لقسمين : 

  • الأول الذهب والفضة فعند التأمل في هذين يمكن القول أنهما معدنان أو معدنان ثمينان أو هما أثمان بمعنى نقود .
  • القسم الثاني : الأطعمة المذكورة فعند التامل فيها فيمكن القول أنها أطعمة ويمكن القول أن أطعمة تشكل قوتا للناس , ويمكن القول أنها أطعمة مقتاة مدخرة أو انها أطعمة مما يكال أو يوزن ...

فالظاهرية نفاة القياس قصروا الربا على هذه المذكورات في الحديث فقط , أما جمهور العلماء فقد راموا البحث عن العلة وسط كل هذه الإحتمالات المذكورة  . 


علة الربا في النقدين لدى المذاهب الفقهية 

 

اختلف العلماء في علة تحريم الربا في النقدين الذهب والفضة المنصوص عليهما في الحديث لثلاث مذاهب : 


  • المذهب الأول : مذهب الحنفية فقالوا العلة فيهما كونهما موزونين من جنس واحد فكل موزون من جنس واحد فيحرم فيه الربا , وبذالك فإنه يدخل فيه كل موزون كالحديد والرخام وغيرهما , ورد قولهم هذا أن الإجماع وقع على جواز إسلاف الحديد بالذهب مثلا , والقاعدة أنه لا يجب التقابض إذا اشتركت العلة بين نوعين مختلفين .


  • المذهب الثاني : مذهب المالكية والشافعية ورواية عن الإمام أحمد , فالعلة عندهم في تحريم الربا في النقدين كونهما جوهرين نفيسين بهما قوام الأثمان والعلة عندهم قاصرة على الصنفين فقط , ونوقش هذا الرأي بكون العلة القاصرة لا تبنى عليها أحكام وأن التعليل بالعلة المتعدية أولى .


  • المذهب الثالث : العلة فيهما هي الثمنية فكل ما كان ثمنا فإن الربا يجري فيه وهو قول لدى الحنابلة واختيار ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وبناء عليه فإن الربا يجري في الأوراق النقدية .


علة تحريم الربا في الأصناف الأربعة الأخرى 


الأصناف الأربعة الأخرى تجتمع فيكونها طعاما وقد اختلف العلماء في تحديد العلة فيها على أقوال كثيرة جدا تحصرها أربعة أقوال وهي : 


  • القول الأول : العلة في الأصناف الأربعة كونها مكيلات جنس فكل مكيل يدخله الربا مع اتحاد الجنس وهو مذهب الحنفية والحنابلة .


  • القول الثاني : العلة في هذه الأصناف كونها طعاما وهو مذهب الشافعية سواء كان مما يكال أو يوزن او لا , فيدخل الربا في الحبوب والتوابل والفواكه وفي كل طعام .


  • القول الثالث : القوت والإدخار وهو قول المالكية واختيار ابن القيم .


  • القول الرابع : أن العلة هي الطعم مع الكيل أو الوزن وهي رواية عند الحنابلة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية .


هل القرض رخصة مستثناة من ربا النساء


القرض لدى الفقهاء هو أن يعطي شخص ما ( المُقْرِض ) لشخص آخر ( المُقْتَرِض )عينا معلومة ليرد مثلها , والقرض يكون في الأعيان المثلية التي تستهلك بالإنتفاع كالنقود والقمح والشعير مثلا  , ولا يكون القرض في الأعيان التي لا تستهلك بالإنتفاع كالسكن والسيارة مثلا . فيمكننا القول أن القرض يصح في كل ما له مثل ( أعيان مثلية ) تستهلك بالإنتفاع وهي لا تتفاوت أفرادها تفاوتا يجعلها مختلفة في القيمة , وأما ما فيها تفاوت غير يسير وهي القيميات أو لا تستهلك بالإنتفاع فلا يجوز فيها القرض .


وعقد القرض عقد تمليك يتملك المقترض العين التي أقرضت له على أن تثبت في ذمتها مثل تلك العين فالتبادل في القرض يكون بين متماثلين , والفرق بينه وبين السلم أن التبادل لا يكون بين متماثلين بل بين مختلفين , والفرق بين القرض والعارية أن العارية تكون في الأشياء القيمية التي لا تستهلك أي تبقى عينها وأما القرض فيكون في الأشياء المثلية . والإجارة تمليك المنفعة الموجودة في الشيئ لا تمليك العين كإجارة سكن أو سيارة .


مر القول فيما سبق أن ربا البيوع نوعان ربا فضل وهو الزيادة في مبادلة جنسين لهما نفس علة التحريم , وأما ربا النساء فهو تأخير القبض في مبادلة جنسين لهما نفس علة التحريم , حينها فإننا لو طبقنا هذه القاعدة لأصبح القرض محرما قد دخله النساء وقد انعقد الإجماع على جوازه , لذا فقد اعتبر بعض الفقهاء القرض رخصة مستثناة من ربا النساء .


يمكن القول أن هذا تكييف غير صحيح فالقرض لا يدخل في البيوع وحديث (( الذهب بالذهب ... )) إنما موضوعه ربا البيوع وليس ربا القروض , والفرق بين القرض والبيع أن القرض لا ربح فيه يعود على المقرض بخلاف البيع ففيه فائدة , وعليه فإن بيع الذهب بالذهب مع التأجلي ( النساء ) لا يجوز , وأما إقراض الذهب بالذهب فهو جائز مع وجود التأجيل .


قاعدة كل قرض جر نفعا فهو ربا 


أولا ينبغي التنبيه أن هذه القاعدة ليست حديثا ولا قولا لرسول الله صلى الله عليه وسلم , غير أنها قاعدة صحيحة أقرها العلماء وقد ثبت عن الصحابة ما يؤيدها , كما أن الإجماع قد انعقد أن كل قرض جر نفعا فهو ربا , إلا ان هذه القاعدة ليس على إطلاقها فالقاعدة تقيد بأن يكون النفع مشروطا إما لفظا وإما عرفا , والمقصود بالنفع النفع الذي يعود على المُقْرِض .


والدليل ما جاء في البخاري أن عبد الله بن سلام قال لأبي بردة (( إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا )) , وقد ثبت مثل هذا عن غيره من الصحابة رضي الله عنهم . وأما دليل التفريق بين المنفعة المشروطة وغير المشروطة فما ثبت في البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال : "كان لي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حق فقضاني وزادني"؛ متفق عليه .


المراجع

1 . موقع الشيخ محمد بن صالح العثيمين

2 . موقع موسوعة الأحاديث النبوية

3 . موقع المكتبة الشاملة الحديثة

4 . نيل الأوطار من منتقى الأخبار الإمام الشوكاني

5 . علة الربا في النقدين دراسة مقارنة أمين ولد المختار

6 . العلة في الأموال الربوية محمد محسن الظفيري
google-playkhamsatmostaqltradent