recent
أخبار ساخنة

نظرات فقهية أصولية في مسألة الإسبال

الصفحة الرئيسية

نظرات فقهية أصولية في مسألة الإسبال


مسألة الإسبال في الثوب للرجال من المسائل الفقهية المختلف فيها , ونعني به مجاوزة الكعبين عند لبس لباس ما ويرجع الإختلاف في هذه المسألة بالدرجة الأولى لمباحث أصولية نقوم ببيانها وبيان موقف العلماء منها .

نظرات فقهية أصولية في مسألة الإسبال

صورة المسألة وأقوال العلماء في حكم الإسبال


إتفق علماء المذاهب الأربعة أن جر الثياب أسفل الكعبين تكبرا لا يجوز شرعا للحديث الصحيح , كما اتفقوا على جواز لبس الثياب ما بين الكعبين إلى الركبتين فهذا القدر متفق عليه , وأما مجاوزة الكعبين باللباس من غير تكبر فموضع الخلاف . فجمهور الفقهاء مذهبهم الجواز وممن قال بهذا القول كثير من الحنفية وذكر ابن مفلح أنه مذهب الإمام ابو حنيفة .


ويروى هذا القول نصا عن الإمام الشافعي كما ذكر النووي في المجموع . ومن الشافعية الذين قالوا بهذا القول الرملي وابن حجر العسقلاني في فتح الباري وكذا ابن حجر الهيثمي وغيرهم .


أما من علماء المالكية الذين ذهبوا هذا المذهب الباجي والنفراوي وابن عبد البر في التمهيد والحطاب في مواهب الجليل , وقال ابن العربي والقرافي بالتحريم . وفي مذهب الإمام أحمد روايتين عنه فبعضهم ينسب إليه التحريم وبعضهم ينسب إليه عدم التحريم فقد ذكر صاحب كشاف القناع في رواية حنبل أن إسبال الثياب لغير خيلاء لا بأس به , ومن علماء الحنابلة الذين قالوا بعدم التحريم إبن قدامة وابن تيمية في شرحه على العمدة . وممن قال بعدم التحريم ممن لا ينتسب للمذاهب الإمام الشوكاني في نيل الأوطار وأما الإمام الصنعاني فقد ذهب لتحريمه .


سبب الخلاف في المسألة وأدلة المذهبين


سبب إختلاف الفقهاء في المسألة قاعدة حمل المطلق على المقيد وهي قاعدة أصولية بيانها , فالله عز وجل قد قال (( إنما حرم عليكم الميتة والدم )) وقال في موضع آخر (( أو دما مسفوحا )) فالحكم هنا التحريم والسبب كونه دما , والقيد هنا قيد به الدم وهو كونه مسفوحا فيقيد النص الأول بقيد الثاني فيكون الدم المحرم هو الدم المسفوح .


ومثال ذالك أيضا حكم كفارة الظهار فقد ورد مطلقا وهو تحرير رقبة وأما كفارة القتل فقد ورد الحكم مقيدا بقيد الإيمان , فالحكم هنا واحد هو تحرير الرقبة والسبب هو كونهما كفارة , فقيد الإيمان قد ورد في الحكم فتكون كفارة الظهار إعتاق رقبة مؤمنة , فالقيد الذي يُقَيَّدُ به قد يكون في السبب وقد يكون في الحكم .

حكم الإسبال في المذاهب الأربعة


وهذه الصورة التي اتحد الحكم والسبب يحمل فيها المطلق على المقيد بالإتفاق , والصورة الثانية المتفق عليها إذا اختلفا السبب والحكم فلا يحمل اتفاقا وتبقى الصورتين الأخريين ففيها خلاف معروف .


فمن جملة الآحاديث التي جاءت مطلقة قوله صلى الله عليه وسلم (( من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة )) ففي هذا الحديث تقيد الجر بالخيلاء , فحكم هذا الفعل أن الله لا ينظر إلى فاعله يوم القيامة وسبب هذا الحكم هو جر الثوب وقد ورد مقيدا .


وأما من جملة الآحاديث التي جاءت مقيدة قوله صلى الله عليه وسلم (( ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار )) فالجر هنا لم يقيد بالخيلاء وهو سبب للحكم على صاحبه بأن يكون موضع العذاب بالنار هو موضع لباسه الذي تجاوز كعبيه . والنظر في هذين النوعين من النصوص يكون من جانبين :

  • الجانب الأول : وهو هل السبب واحد فالذين اعتبروا أن السبب في الحديث الأول هو جر الثوب خيلاء , والسبب في الحديث الثاني هو جر الثوب قالوا السبب مختلف . لكن التقييد هنا وارد على السبب إذ السبب واحد وهو جر الثوب في الحديثين , وأما قيد الخيلاء في الحديث الأول فهو القيد الذي اختلف في تقييد الحديث الثاني به كما مر في مسألة حرمة الدم المسفوح . وعلى هذا فالمشكلة تكمن في الجانب الثاني .
  • الجانب الثاني : وهو هل الحكم واحد أم مختلف , فمن ذهب للتحريم قال الحكم في الحديثين مختلف ففي الحديث الأول الحكم فيه عدم نظر الله إليه , والحكم في الثاني أن موضع العذاب هو موضع إسبال الثياب وعلى هذا فكل حديث يعمل به في الحالة التي فعلت به .


وأما من لم يحرم جر الثوب لغير الخيلاء فقد قالوا الحكم واحد في كلا الحديثين , إذ لا اختلاف بين عدم نظر الله إليه والتعذيب بالنار فهما متلازمان , وقد ورد في المسبل أحكام أخرى وهي لا يكلمه ولا يزكيه ولا ينظر إليه ولا يمكن القول أن هذه الأحكام مختلفة . ومما يؤيد أن الحكم متفق قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (( من وطئه خيلاء وطئه في النار )) والمعنى أن المسبل تكبرا لا ينظر الله إليه يوم القيامة ويكون محل العذاب منه ما جاوز كعبيه من إزاره .


وقد أيد كل فريق بما ذهب إليه بجملة من النصوص الأخرى . فمن جملة الأدلة التي أيد بها من قال بالتحريم حديث

إِزرةُ المؤمنِ إلى أنصافِ ساقيْهِ لا جناحَ عليْهِ ما بينَهُ وبينَ الْكعبينِ وما أسفلَ منَ الْكعبينِ في النَّار . يقولُ ثلاثًا لا ينظرُ اللَّهُ إلى من جرَّ إزارَهُ بطرًا

ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه قد جمع العقوبتين معا في حديث واحد , فدل ذالك أن لكل من الصورتين حكما خاصا بها . ومن جملة ما استدل به من يرى الجواز حديث أبي بكر وفيه

مَن جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إلَيْهِ يَومَ القِيامَةِ فقالَ أبو بَكْرٍ: إنَّ أحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي، إلَّا أنْ أتَعاهَدَ ذلكَ منه؟ فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذلكَ خُيَلاءَ قالَ مُوسَى: فَقُلتُ لِسالِمٍ أذَكَرَ عبدُ اللَّهِ مَن جَرَّ إزارَهُ؟ قالَ: لَمْ أسْمَعْهُ ذَكَرَ إلَّا ثَوْبَهُ.

ووجه الإستدلال بهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أناط الحكم بالخيلاء , أي علقه بعلة عامة وليس بعلة يختص بها أبو بكر من كونه يتعاهده ولم يقصد ذالك .


ملخص المسألة


1 . الخلاف في المسألة خلاف قديم بين فقهاء الأمة ومذاهبها وجمهورهم يرون جوازه لغير خيلاء .
2 . سبب الخلاف يعود لمسألة هل الحكم واحد في الحديثين فيحمل المطلق على المقيد أم مختلف فلا يحمل .
3 . هذه المسائل كغيرها من مسائل الإجتهاد لا تفسيق فيها ولا إنكار فيها , بل تبين ببين الأطراف المتنازعة بالأدلة والجدال الحسن .
4 . المقلد إذا أخذ برأي من يقلده في هذه المسألة ممن يطمئن له في دينه فلا يمكنك إلزامه برأي مخالف .
5 . لا شك أن الأفضل رفع الثوب لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه من مواطن الإشتباه .
6 . من رفع ثوبه بنية الإقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم أو الإمتثال للأمر فإنه يثاب على فعله هذا إن شاء الله

حكم الإسبال عند شيخ الإسلام ابن تيمية
المراجع

1 . نيل الأوطار الشوكاني
2 . فتح الباري ابن حجر
3 . تحفة الأحوذي المباركفوري
4 . المغني لابن قدامة
5 . كشاف القناع البهوتي
6 . شرح العمدة ابن تيمية
7 . طرح العتاب في جواز إسبال الثياب عبد الوهاب مهية
google-playkhamsatmostaqltradent