recent
أخبار ساخنة

حقيقة التفويض بين المتكلمين والسلف في العقيدة

الصفحة الرئيسية

 

حقيقة التفويض بين المتكلمين والسلف في العقيدة 


من قضايا العقيدة الشائكة التي طالما أثارت جدلا كبيرا مسألة التفويض عند السلف في صفات الله عز وجل , فبعض من متكلمي الأشاعرة يجعل للتفويض معنى وينسبه لهم , بينما ينكر آخرون هذا المعنى وهذه النسبة .
حقيقة التفويض بين المتكلمين والسلف في العقيدة
حقيقة التفويض بين المتكلمين والسلف في العقيدة
تقسم صفات الله عز وجل بحسب نوع الأدلة التي تثبت بها لقسمين صفات عقلية وصفات خبرية , والمقصود بالصفات العقلية ما دل العقل على ثبوتها مع ورود النص بها كالحياة والعلم والقدرة والإرادة والإحياء والإماتة وغيرها , وأما الصفات الخبرية فما استقل النقل بإثباتها كالوجه واليد والإستواء والمجيئ والضحك وغيرها .

والصفات الخبرية قد كثر فيها النزاع وانقسم المسلمون فيها ثلاث طوائف , فطائفة أولتها وطائفة أخذت بظاهرها وأثبتتها صفات لله عز وجل , وطائفة أخرى لم تثبتها صفات لله ولم تأولها . وقد حصل نزاع في نسبة الطائفتين الأخيرتين لمذهب السلف .

تفويض السلف في الصفات بين المتكلمين وابن تيمية . 


جمهور المتكلمين من الأشاعرة يرون أن إثبات الصفات لله عز وجل توقيفية فلا تثبت صفة في حق الله إلا إذا دل عليها النص , ثم قالوا إن ما جاءت به النصوص من صفات وأوهمت التشبيه فالموقف منها أحد طريقتين التأويل أو التفويض .  

وجعل هؤلاء طريقة التأويل هي طريقة الخلف . والقصد بالتأويل عندهم صرف المعنى الظاهر إلى معنى آخر يحتمله اللفظ , فالتأويل على هذه الطريقة تأويل تفصيلي بمحاولة تعيين المعنى المراد من اللفظ هروبا من التشبيه . وقد يصل التأويل إلى إخراج اللفظ من دائرة الصفات أو تأويله بصفة أخرى أقرها العقل في نظرهم . وأما التفويض فجعلوه طريقة السلف وقالوا هو تأويل إجمالي وسيأتي الحديث عنه .

ومعنى ( أوهم التشبيه ) عندهم أي أوهم اللفظ بظاهره معنى غير لا ئق بالله عز وجل . وهذه الألفاظ عندهم قد توهم الجهة كقوله تعالى (( يخافون من فوقهم )) فيأول لفظ الفوقية بالتعالي في العظمة لا المكان , وقد توهم الجسمية كقوله تعالى (( وجاء ربك ... )) فيأول المجيئ بمجيئ أمره أو ملائكته فهذا تأويل أخرج اللفظ من دائرة الصفات , وقد توهم الصورة كقوله صلى الله عليه وسلم (( إن الله خلق آدم على صورته )) فتأول الصورة بصورة أخيه ويكون المعنى إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب وجهه فإن وجه آدم خلقه الله بنفس صفات هذا الرجل من سمع وبصر وغيرها , وقد توهم الجارحة كقوله تعالى (( يد الله فوق أيديهم )) فتأول اليد بالقدرة وهذا تأويل للفظ اليد بصفة أخرى . وبعضهم قد أجمل هذه الصور في ثلاث أنواع وهي نصوص توهم الجهة , ونصوص توهم التركيب والتجسيم , ونصوص توهم النقص والتغير .

وأما التفويض عندهم فهو صرف اللفظ عن ظاهر معناه المعروف في اللغة والذي يتنافى مع مبدإ التنزيه , ثم لا يحدد المعنى المراد من هذا اللفظ في حق الله عز وجل . ويفوض علمه لله سبحانه وتعالى ويترك الخوض في تحديده . فالتفويض هنا تفويض في المعنى والكيف وأما اللفظ مجردا فلا ينفى بل يثبت لأن النص أثبته . فهم قالوا لفظ اليد في قوله (( يد الله )) ثابت بنص القرآن فلا ينفى , وأما معناه الظاهر الذي نعرفه وهو الجارحة المعروفة فهو غير مراد , وأما المراد بلفظ اليد في الآية فلا نعلمه ونكل علمه لله عز وجل , فهؤلاء لم يحددوا معنى محددا لكلمة اليد سوى ما يؤخذ من السياق من معنى العناية . فيتم إثبات لفظ اليد لا على أنه صفة لله عز وجل بل لفظ ورد في القرآن لا نعلم ما المراد منه .

طريقة التفويض التي يحكيها الأشاعرة عن السلف تمر بمرحلتين . الأولى الإعتقاد أن لهذا اللفظ معنى ظاهرا هو هذا المعنى الذي نعرفه وقد دلت عليه اللغة , المرحلة الثانية هذا الظاهر غير مراد في الآية لأنه يوهم التشبيه بل المراد معنى آخر , وفي المرحلة الثالثة تفويض علم هذا المعنى لله عز وجل , ويلزم من تفويض المعنى تفويض الكيف .

وبذالك يمكن القول أن طريقة التفويض وطريقة التأويل تتفقان في مرحلتين . الأولى ظاهر اللفظ يوهم التشبيه والثانية للفظ معنى آخر هو المراد , ويختلفان في المرحلة الثالثة فطريقة التأويل تحدد هذا المعنى وطريقة التفويض لا تحدده بل تكله إلى الله عز وجل وتجعله من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله . ومن هنا قالوا إن كلا من الطريقتين قد اتفقتا على التأويل  الإجمالي , فالمفوضة أولت النص تأويلا إجماليا والمأولة أولته تأويلا تفصيليا .

أما ابن تيمية فيرى أن عقيدة السلف إثبات ما أثبته الله لنفسه من صفات مع نفي التشبيه والتمثيل دون تأويل أو تعطيل لها عن معانيها , ولا فرق عندهم بين الصفات الخبرية كالنزول والمجيئ والفرح وبين الصفات العقلية كالعلم والسمع , فموقفهم من جميع نصوص الصفات واحد وهو إجراءها على ظاهرها على حسب ما تقتضيه اللغة العربية , فظاهرها هو المعنى الكلي الموافق للغة مع عدم التكييف والتشبيه وسيأتي بيان معنى هذا الكلام في كلامنا عن القدر المميز والقدر المشترك . فالسلف عنده يثبتون هذا النوع من الصفات مع تفويض الكيفية فتفويض السلف في الكيفية لا المعنى .

وعلى هذا فالمتكلمون من الأشاعرة وابن تيمية اتفقوا على أن التفويض في الكيفية شامل لكل الصفات الخبرية وغيرها , أما الذي يختلفون فيه فهو تفويض المعنى في الصفات الخبرية . فابن تيمية يقول إن السلف لم يفوضوا معناها بل كيفيتها فقط , والمتكلمون يقولون بل فوضوا معناها وكيفيتها . فالخلاف حاصل في هذا النوع من الصفات وهل فوض السلف معناها أم أثبتوه . 

حقيقة مذهب السلف في الصفات


السلف الصالح هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , ومن سار على نهجهم من أئمة القرون الثلاثة الأولى إلى نهاية المئة الثالثة ممن شُهد لهم بالإمامة والعلم ولم يرمى ببدعة كالأئمة الأربعة , والمقصود بمذهب السلف في مسألة من مسائل الدين أنهم قد أجمعوا فيها على قول واحد , وإنما يعرف مذهب السلف من خلال نقل أقوالهم لا بمجرد نسبتها إليهم دون نقل صحيح , والمتأمل في النصوص التي نقلت عنهم في هذا الباب تجد أن ألفاظها لا تخرج عن أربعة أنواع .
  • النوع الأول منها فيه تصريح بإثبات معنى اللفظ وتفويض الكيفية . 
  • والنوع الثاني منها يدل على نفي تفسيرها . 
  • والنوع الثالث منها يدل على نفي المعنى . 
  • والنوع الرابع إمرارها كما جاءات .
أقوال السلف في إثبات الصفات
أقوال السلف في إثبات الصفات
النوع الأول إثبات المعنى للفظ : ومن أمثلته ما نقل عن الإمام مالك فقوله ( الإستواء غير مجهول ) قول مشهور . وقد ذكر ابن العربي أن مذهب مالك في مثل هذه الآحاديث أنها معلومة المعاني مجهولة الكيفية . فقوله ( الإستواء معلوم ) في الرواية الأخرى أي معلوم المعنى في اللغة , وأما المجهول فهو كيفية الصفة والسؤال عن الكيفية بدعة . وأما تأويل قوله أن الإستواء معلوم أي معلوم الثبوت من عند الله فتأويل باطل , فالسائل إنما سأل عن الكيفية وليس عن ثبوت الإستواء فهو يعلم ثبوته في القرآن , فأخبره الإمام مالك أن الإستواء معلوم معناه مجهولة كيفيته في حق الله . 

النوع الثاني الذي فيه نفي تفسيرها : فمن ذالك ما نقل عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال في مثل هذه الآيات والآحاديث 
( ونحن إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها , وما أدركت أحدا يفسرها ) . 
ومن ذالك أيضا قول الإمام الترمذي
( وهذا الذي أختاره أئمة الحديث أن تروى هذه الأشياء ولا تفسر ) . 
وجواب ذالك أن السلف مقصودهم بنفي التفسير المبني على التشبيه والتكييف أو نفي التفسير المبني على تأويلات لا يدل عليها ظاهر اللفظ ودليل ذالك 
  • أن هؤلاء الأئمة ثبت عنهم تفسير بعض الصفات مما يدل على أنهم لم يقصدوا بنفي التفسير نفي التفسير الذي يدل عليه ظاهر اللفظ .
  • تصريحهم في مواضع أخرى أنهم إنما ينفون تفسيرات الجهمية ومن ذالك قول الإمام الترمذي .
( فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسرها أهل العلم ... وقالوا إن معنى اليد هنا القدرة ) . 
فقد صرح أن التفسير المنفي هو تفسير الجهمية أو ما يسمى في إصطلاح المتأخرين بتأويل الصفات . وأما التفسير المقبول فهو تفسير أهل العلم الذي اختاره أهل الحديث .
  • ومما يدل أيضا أنهم إنما ينفون التفسيرات التي تفسر الكيفية ما قاله أبو عبيد القاسم بن سلام حيث قال
( ولكن إذا قيل كيف وضع قدمه , كيف ضحك , قلنا لا يفسر هذا , ولا سمعنا أحدا يفسره ) 
فقد نفى تفسير الكيفية كما ترى , وهذا يؤيد أيضا قول الإمام مالك عندما سئل عن تفسير الكيف , فأخبر أن الإستواء معلوم تفسيره في اللغة وهو العلو , وأما تفسير كيفيته فمجهول والسؤال عن ذالك بدعة .
  • قد ثبت تفسير بعض الصفات بما يقتضيه ظاهرها اللغوي فمن ذالك تفسير أبو العالية ومجاهد للفظ ( استوى ) بمعنى ارتفع . 

النوع الثالث ما ورد فيه نفي المعنى : فمن ذالك ما قاله الإمام أحمد ( نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى ) . فهذا كالنوع الذي مر فالمراد بنفي المعنى المعنى الذي تذهب إليه الجهمية , ويدل عليه قوله بعده ( وهو كما وصف نفسه سميع بصير ) . فنفي المعنى عن السمع والبصر المراد منه نفي الكيفية أو المعاني الباطلة التي تذهب إليها الجهمية . فإنه لا احد يجهل معنى السمع والبصر . 

وقد ورد عن السلف تعبيرهم عن نفي الكيفية بنفي المعنى , فهذا يزيد بن هارون يسأله رجل في مجلسه عن حديث رؤية الله عز وجل يوم القيامة فيقول الرجل ( ما معنى هذا الحديث ) فيجيبه يزيد ( ويلك من يدري كيف هذا ) . ففهم أن السؤال عن المعنى سؤال عن الحقيقة التي تتضمن الإخبار عن الكيفية . وأمر آخر أنه لو لم يكن لهذه الألفاظ معنى ما احتاجوا لنفي الكيفية ولو كانوا يعتقدون أنها لا معنى لها لقالوا أمروا لفظها ولا تتعرضوا لمعانيها . ومما يؤكد هذا أيضا أنهم قالوا أمروها كما جاءت في جميع الصفات ولم يخصصوها بالصفات الخبرية . 

النوع الرابع فورد فيه إمرارها كما جاءت : ومن ذالك ما روي عن مالك والأوزاعي والليث أنهم قالوا ( أمروها كما جاءت بلا كيف ) . وليس في هذا أنهم لا يعرفون المعنى , واللفظ قد جاء لمعنى فإمراره كما جاء إمراره بمعناه الذي جاء له لغة . ولهذا قد أضافوا بلا كيف دفعا لتوهم المشابهة بين الخالق والمخلوق . 

معنى الظاهر بين السلف والمتكلمين 


الظاهر هو المعنى الذي يتبادر إلى الذهن , والكلمة الواحدة قد تكون في موضع ذات معنى وفي موضع آخر ذات معنى مخالف بحسب السياق والقرائن . وقد يكون للكلمة معنى دون إضافتها ولها معنى آخر عند إضافتها بحسب السياق , فلفظ الأسد إذا أفرد فهم منه الحيوان المفترس المعروف وإذا أضيفت فإن معناها قد يتغير فلوا قلت رأيت أسدا يحمل سيفا , فإن المعنى حينئذ الرجل الشجاع .

فالظاهر من النصوص والألفاظ ما يسبق للفهم إما بمجرد الوضع أو بسياق الكلام . وقد إتفق العلماء على إجراء النصوص على ظاهرها إلا إذا دل الدليل على أن ظاهرها غير مراد , والخلاف بين المتكلمين والسلف في نصوص الصفات في تحديد ظاهرها .

فالسلف قالوا إن ظاهر هذه النصوص ما يفهم منها بدلالة اللغة . فالإستواء عندهم معلوم أي بين واضح في اللغة وهو العلو مع الإتفاق أن الصفة لا تشبه صفة المخلوقين , فاستواءه ليس كاستواء المخلوقين . وأما المتكلمون فقالوا الظاهر في هذه النصوص ما تشكل في الخيال من الصفة الشبيهة بصفة المخلوقين ثم أنقسم هؤلاء لفريقين .

  • الفريق الأول من الجهمية والمعتزلة : فقد قالوا ظواهر هذه النصوص كلها تفيد التشبيه والتمثيل بصفات المخلوقين . 
  • الفريق الثاني من الأشاعرة والماتريدية : فقد فرقوا بين النصوص فقالوا في بعضها هي لا تفيد التشبيه والتمثيل كالعلم والقدرة وقالوا في البعض الآخر أنها تفيد التشبيه والتمثيل وهي الصفات الخبرية كما مر .

فنصوص الصفات عند السلف إنما يدل ظاهرها على المعنى اللائق بالله عز وجل ولا يدل على المعنى اللائق بالمخلوقين , ولم ينقل عنهم أنهم قالوا إن ظاهرها غير مراد لا تصريحا ولا تلميحا . 

فالمتكلمون لم يفهموا من الظاهر إلا المعنى اللائق بالمخلوقين وهو التجسيم , فعطلوا الصفات فوقعوا في محذورين التجسيم ثم التعطيل , فالسلف أجروا نصوص الصفات على ظاهرها وظواهرها ليست ألفاظا مجردة بلا معان , بل هي ألفاظ دالة على معان معلومة في لغة العرب , والمفوضة من المتكلمين والأشاعرة أجروا هذه الألفاظ دون معانيها زعما أن ظاهرها يقتضي التشبيه , ولا يمكن لهم نقل كلام عن السلف يفيد أن ظواهرها غير مرادة .

القدر المشترك بين صفات الله وصفات المخلوق 


قد مر فيما سبق أن عقيدة السلف إثبات معاني الصفات وتفويض كيفيتها , فهم بذالك يفهمون من الصفة معنى كليا مشتركا بين صفة المخلوق وصفة الخالق عز وجل . فصفة العلم مثلا إدراك للمعلوم وهذا قدر مشترك في حق المخلوق وحق الخالق ثم لكل منهما ما يخصه عند إضافة هذه الصفة إليهما .

فالقدر المشترك هو المعنى الكلي الذهني الذي يدل عليه اللفظ قبل الإضافة أو التخصيص . ويسمى أيضا أصل المعنى أو أصل الحقيقة , فبين وصف الله بالعلم ووصف المخلوق بالعلم قدر مشترك موجود في الذهن لا في الخارج , وهذا القدر من الإشترك ضروري لفهم الخطاب والكلام فلو لم نعقل معنى كليا من العلم والسمع والبصر لما أمكن فهم ما وصف الله به نفسه . وللزم السؤال عن معانيها إذا أضيفت لله عز وجل .

غير أننا نرى عكس ذالك فالسامع لقولك الله عليم حكيم لا يسألك عن معنى كلامك . بل يفهم من ذالك معنى كليا , فما يطلق من أسماء وصفات على الله عز وجل هي من قبيل المشكك أو المتواطئ العام الذي يشترك أفراده في أصل المعنى ثم ينفرد كل فرد بما يميزة عن الآخر . فالوجود مشترك بين الله والمخلوق لكن وجود الله أزلي أبدي بخلاف وجود المخلوق .

معنى القدر المميز بين صفات الله وصفات المخلوق 


يقصد بالقدر المميز المعنى الخاص بكل موجود في الخارج ويظهر عند الإضافة والتخصيص . فالإتفاق بين الخالق والمخلوق إنما يكون في اللفظ والمعنى الكلي الذهني , ثم المباينة بينهما تكون في الوجود الخارجي وهنا اخطأت طائفتان . فالمشبهة قالوا مادام أن هناك قدرا مشتركا فيقتضي ذالك التشبيه . فعلم الله كعلم المخلوق وأما المعطلة فقالت لو أثبتنا لله يدا فإن اليد في المخلوق جارحة فيقتضي إثبات الجارحة لله عز وجل .

فيقال كون الجارحة المكونة من لحم ودم ليس من لوازم القدر المشترك أو المعنى الكلي بل هي من لوازم يد العبد . والقدر المشترك الذي نثبته في اليد ما يكون به الأخذ والإعطاء والقبض والبسط , وكذالك يقال في النزول فلو قال قائل إن ثلث الليل في حق كل قوم يختلف عن الآخرين فوجب ان يبقى الله أبدا نازلا إلى السماء الدنيا . فإنه يقال أنتم لم تعقلوا من النزول إلا نزول المخلوق فما ذكرتموه من لوازم نزول المخلوق الذي يخضع للمكان والزمان .

وأما نزوله سبحانه وتعالى فليس كمثله شئ فالقدر المشترك في النزول هو الهبوط من أعلى . وأما ما ذكرتموه فهو من لوازم نزول المخلوق وليس من لوازم نزول الله عز وجل . ويقال أيضا في الإستواء بأن القدر المشترك فيه هو العلو والإرتفاع وليس من لوازمه الإحتياج والإفتقار إلى ما تحته . وإنما هذا من لوازم القدر المميز لاستواء العبد على الشئ .

فالحاصل ان السلف يثبتون أصل المعنى وهو القدر المشترك أو المعنى الكلي الذي يفهم عند الإطلاق . وأما تمام المعنى أو كنه الصفة ( وهو القدر المميز ) فهم يفوضون أمره إلى الله عز وجل . فالإسم والصفة لهما ثلاثة إعتبارات .

الأول اعتبار من حيث هي من غير تقييد بالرب ولا العبد , فهذا ثابت للرب على ما يليق به وللعبد على ما يليق به . فالسميع يلزم منه إدراك المسموعات فعند إضافته لله عز وجل يكون له منه ما يناسبه . وعند إضافته للعبد يكون له منه ما يناسبه . والإعتبار الثاني إذا أصيفت الصفة أو الإسم إلى الرب واختص به فإنه لا يثبت للمخلوق , والإعتبار الثالث وهو ما أضيف للعبد وقيد به فهذا خاص به يجب نفيه عن الله عز وجل .

فخلاصة المسألة أن التفويض نوعان الأول تفويض العلم بحقيقة الصفة ( أي بكنهها وكيفيتها ) مع إثبات المعنى اللائق منها لله عز وجل . وهذا مذهب السلف . والثاني : تفويض العلم بحقيقة الصفة كما مر مع تفويض معنى اللفظ وهذا مذهب جماعة من المتكلمين في بعض نصوص الصفات التي يقولون أن ظاهرها يوهم التشبيه . 

التفويض عند الأشاعرة  يقوم على أربعة أسس 
  • الإعتقاد بأن ظاهر بعض هذه النصوص يقتضي التشبيه 
  • القطع أن هذا الظاهر غير مراد 
  • صرف اللفظ عن ظاهره 
  • عدم تعيين معنى آخر من المعاني التي قد يحتملها اللفظ
فالمسألة عندهم مجرد إجراء للألفاظ على الألسنة دون فهمها , ولذالك لا يجيزون تصريف هذه الألفاظ ولا استعمال مترادفاتها مكانها , فلا يقال عندهم إن الله مستو على عرشه بل لا بد من إلتزام ألفاظ النصوص .

هل التفويض عقيدة السلف وما هو تفويض السلف الشسخ محمد بن صالح العثيمين

المراجع 

  • شرح حديث الإفتراق درس صوتي مفرغ     الشيخ يوصف الغفيص 
  • منهج السلف في إثبات الصفات الإلاهية      سعد عبد الله عاشور
  • تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد        ابراهيم بن محمد البجوري 
  • شرح الصاوي على جوهرة التوحيد         احمد بن محمد المالكي الصاوي 
  • الصفات الخبرية عند اهل السنة والجماعة ( الأشاعرة )          محمد عياش الكبيسي 
  • براءة أئمة السلف من التفويض في صفات الله         أحمد محمد النجار
  • الشرح الكبير على العقيدة الطحاوية         سعيد عبد اللطيف فودة     
  • مقالة التفويض بين السلف والمتكلمين        محمد بن محمد آل خضير
  • القول التمام بإثبات التفويض مذهبا للسلف الكرام      سيف بن علي العصري 
  • قضية تفويض الصفات في ميزان الدعوة الإسلامية     مصطفى مراد صبحي
google-playkhamsatmostaqltradent