نظرة فقهية تأصيلية مسألة إخراج زكاة الفطر نقدا أم طعاما
صدقة أو زكاة الفطر من المسائل الفقهية التي كثر النزاع فيها قديما وحديثا حول مدى جواز إخراجها نقدا ( قيمة ) بعد إتفاقهم على إجزائ إخراجها طعاما , ما يهمنا في موضوعنا هو تأصيل المسألة لفهم مآخذ العلماء وحقيقة خلافهم وأي الآراء أولى بالصواب .
![]() |
| نظرة فقهية تأصيلية مسألة إخراج زكاة الفطر نقدا أم طعاما |
زكاة الفطر معناها وحكمها
الزكاة في اللغة الطهارة والنماء والبركة وإضافة هذا اللفظ للفطر من باب إضافة الشيئ إلى سببه فالفطر من رمضان سبب وجوباها , وزكاة الفطر مال معلوم يخرجه المسلم صدقة لأجل أن يكون طهرة لصيامه , تصرف على نفس المصارف الثمانية في الزكاة المعروفة عند جمهور العلماء وخصصها المالكية على الفقراء والمساكين .
أما عن حكمها فزكاة الفطر واجبة على كل مسلم عنده قوت يوم العيد وليلته وقد نقل الإجماع على وجوبها ابن المنذر , وذكر ابن رشد والقرافي أن بعضا من المتأخرين من أصحاب مالك قد قال أنها سنة وإن كان المشهور عندهم أنها واجبة , والأصل الدال على وجوبها قول عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(( فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَوْ قَالَ رَمَضَانَ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ )) متفق عليه
وتجب بغروب الشمس في آخر يوم من أيام رمضان أي من الليلة الأولى من ليالي شوال وينتهي وقت وجوبها بصلاة العيد , ويستحب إخراجها قبل الصلاة ويحرم بعدها فإن أخرجها بعد الصلاة فصدقة تصدق بها ولا تسقط بتأخيرها .
مذاهب العلماء في حكم إخراج زكاة الفطر نقدا
ذهب جمهور العلماء من المالكية والحنابلة والشافعية إلى وجوب إخراج صاع من الأجناس التي تُخرج منها الفطرة , وذهب بعض العلماء إلى ان المجزئ من البر نصف صاع وفي الزبيب روايتين عن أبي حنيفة إحداهما صاع والأخرى نصفه .
وأما الأصناف التي تخرج منها فقد ذهب ابن حزم أنه لا تخرج إلا من تمر او شعير لحديث ابن عمر السابق , وقد وردت أجناس أخرى غير التمر والشعير في حديث أبي سعيد الخدري
(( كنَّا نُخرِجُ إذ كان فينا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم زكاةَ الفِطرِ عَن كلِّ صغيرٍ وكبيرٍ، حرٍّ أو مملوكٍ، صاعًا من طعامٍ، أو صاعًا من أقِطٍ، أو صاعًا من شَعير، أو صاعًا من تَمرٍ، أو صاعًا مِن زَبيبٍ )) متفق عليه
- المذهب الأول : إستمسك بظاهر النص فقال لا بد من إخراج هذه الأطعمة المنصوص عليها في الأحاديث ولا يجزئ غيرها .
- والمذهب الثاني : إلتفت إلى معنى النص فاستبط علة له ثم استعملها في تأويل هذه النصوص وهم الجمهور , وهؤلاء إنقسموا فريقين في تحديد المعنى المقصود من النص .
فقال الفريق الأول إنما نص الشرع على هذه الأطعمة بخصوصها لكونها غالب قوت أهل المدينة , فالمعنى الملاحظ عندهم هو كون المُخْرَج طعاما من غالب قوت أهل البلد , وهو قول المالكية والشافعية وكثير من الحنابلة .
والفريق الآخر قال بل المعنى المقصود من النص هو سد خلة الفقير وحاجته في هذا اليوم , وهذا يحصل بهذه الأصناف أو ما يعادلها قيمتها ولعلى قضاء حاجة الفقير بالنقود تكون أتم وهذا المذهب هو مذهب الحنفية .
أدلة المذاهب الفقهية ووجه الإستلال عندهم
الأصل المقرر عند العلماء قاطبة أن الإستمساك بظاهر النص هو الأولى ولا يعدل لمعنى من المعاني المحتملة في النص إلا بدليل .
إستدل من حصر زكاة الفطر في غالب طعام البلد بحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وفيه ( وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ وَالتَّمْرُ ) . فقد نص أن هذه الأصناف قد كانت طعامهم ولم يشر للنقد , فلم يقل او ما يعدله قيمة مع توفر النقود زمن رسول الله وكانوا يتعاملون به . ومما استدلوا به أيضا حديث ابنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - في زكاة الفطر وفيه (( وَطُعمَةً لِلمَسَاكِينِ )) فقد ذكر الحكمة منها ونص على كونها طعمة أي طعاما .
أما من اجاز إخراج القيمة فاستدل بحديث "أغنوهم عن طواف هذا اليوم" وهو حديث ضعيف ضعفه غير واحد من اهل العلم فلا يلتفت إليه , واستدلوا بحديث معاذ في البخاري وفيه
(( قال طاووس: قال معاذ رضي الله عنه لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ))
والحديث قد نص العلماء أن فيه إنقطاعا بين طاوس ومعاذ , ولذا ضعفه الشوكاني في نيل الأوطار ومع التسليم بصحته فهو واقعة عين يكتنفها الإحتمال ومع الإحتمال يسقط الإستدلال , وهو اجتهاد في مقابلة نص خالفه غيره من الصحابة , وقد قال ابن حجر أن البخاري لم يستدل به إستقلالا بل عضده بغيره من الأدلة .
ومن أدلتهم ما جاء في البخاري أن أبا بكر الصديق كتب لأبي سعيد الخدري أن من كانت زكاته بنت مخاض ولم يكن عنده إلا بنت لبون خذها منه وأعطه الفرق "عشرين درهماً وشاة". قالوا وفي هذا جواز إعطاء القيمة ورد أن محل جواز القيمة الضرورة ففي الحديث تقييد وهو (( ولم يكن عنده )) .
وتعرف هذه بمسألة الجبران في الزكاة وقد أخذ بها الشافعية وغيرهم , والطعام في صدقة الفطر متوفر فلا ضرورة , فإن لم يتوفر عند الرجل فلا تجب الزكاة في حقه . واستدلوا أيضا بقول ابن عمر (( فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ )) , ووجه الإستدلال أن نص صاع من بر الشام يماثل صاعا من بر الحجاز فعدلوا إلى القيمة , ورد أنه قول صحابي وهو اجتهاد معاوية خالفه فيه غيره من صحابة رسول الله ومنهم أبو سعيد الخدري فهذا إجتهاد مخالف للنص فلا يلتفت إليه فالنص حدد الصاع من الأطعمة .
وأجاب بعض العلماء عن هذا الدليل كالألباني وغيره بجواب آخر فقال نصف صاع من البر ثابت عن رسول الله فيكون البر مختلف في مقدار الإخراج عن غيره , وقد ذهب هذا المذهب مجموعة من العلماء كابن تيمية فقالوا أن الواجب في البر نصف صاع .
ووجه آخر في الإجابة عن هذا الحديث فقالوا بل هو دال على نفي القيمة , فهل قيمة نصف صاع من البر نقدا تعدل قيمة صاع مما ذكر في الآحاديث , وهل تلك الأصناف لها نفس القيمة نقدا أم مختلفة واختلافها دليل على عدم إجزاء القيمة .
ووجه آخر في الإجابة عن هذا الحديث فقالوا بل هو دال على نفي القيمة , فهل قيمة نصف صاع من البر نقدا تعدل قيمة صاع مما ذكر في الآحاديث , وهل تلك الأصناف لها نفس القيمة نقدا أم مختلفة واختلافها دليل على عدم إجزاء القيمة .
رأي ابن تيمية في إخراج القيمة في زكاة الفطر
لا يوجد نص صريح لابن تيمية يجيز فيه إخراج القيمة في زكاة الفطر , وحديث ابن تيمية في مجموع الفتاوي الذي تمسك به من يرى جواز إخراجها قيمة فقد كان حديث حول زكاة الأموال الواجبة . وفي مجموع الفتاوي قد صحح ابن تيمة مذهب الجمهور الذي يجيز إخراجها من غالب قوت البلد .
![]() |
| حكم إخراج الزكاة نقدا عند ابن تيمية |
فابن تيمية يرى أن الواجب في زكاة الأموال أن تبقى على أصلها في إخراجها من جنس المال الذي وجبت فيه , ثم يستثني ابن تيمية جواز إخراج القيمة لوجود مصلحة راجحة , أو لوجود حاجة ومثل بأمثلة ذكر منها تفضيل الفقير لها , بينما الحنفية يجيزون إخراج القيمة مطلقا سواء ظهرت الحاجة أم لم تظهر , وبذالك فقول ابن تيمية قول ثالث في المسألة جامع للقولين ودليله حديث أبي بكر الذي في البخاري وقد ذكرناه سابقا .
الملاحظ في أدلة المجيزين أنهم اعتمدوا على نفس الأدلة التي استدلوا بها على جواز إخراج القيمة في زكاة الأموال , ثم لم يفرقوا بين صدقة الفطر وزكاة الأموال فاستعملوا القياس , وللعله لهذا السبب نُسِب القول بالجواز لابن تيمية في الفطرة على اعتبار أنه لا فرق بين الزاكتين .
نسبة القول بجواز القيمة لابن تيمية اعتمادا على تجويزه في زكاة المال تحتاج لتأمل , فمن العلماء من فرق بين الزكاتين , واعتبر أن كليهما أصلا ولا يقاس الأصل على أصل مثله , فليست الفطرة فرعا على زكاة المال بل هي أصل مستقل بنفسه , فإذا جاز في هذا لا يلزم منه الجواز في الآخر .
المراجع :
- زكاة الفطر سعيد بن علي بن وهف القحطاني
- المحلى بالآثار ابن حزم
- العدة حاشية إحكام الأحكام الأمير الصنعاني
- المجموع النووي
- المغني ابن قدامة
- الذخيرة القرافي
- مواهب الجليل شرح مختصر خليل الحطاب
- أثر تعليل النص على دلالته أيمن علي عبد الرؤوف صالح
- تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال أحمد بن محمد الصديق الغماري
- مجموع الفتاوي ابن تيمية

