recent
أخبار ساخنة

تعليل الأحكام صراع الظاهرية وابن حزم مع العلماء

 تعليل الأحكام صراع الظاهرية وابن حزم مع العلماء


يحتدم الجدل كثيرا في مسألة تعليل الأحكام لدى علماء الشريعة لارتباطها بمسائل من علم الكلام , وقصدنا في هذا المبحث تعليل خاص وهو التعليل الفقهي , وهذا النوع من التعليل يكاد يكون مجمعا عليه على المستوى النظري في علم الأصول أو المستوى التطبيقي في علم الفقه , غير أن الظاهرية وعلى رأسهم ابن حزم لهم رأي خاص في مسألة التعليل وانجر عن ذالك توسعهم في إستعمال بعض أدلة الشرع  .

تعليل الأحكام صراع الظاهرية وابن حزم مع العلماء

مذاهب العلماء في تعليل الأحكام


القصد بمصطلح تعليل الأحكام , البحث عن الغايات التي أرادها الشارع من وراء تشريعه لحكم ما بأحد مسالك العلة المعروفة , بغية إلحاق حكم المنطوق بالمسكوت عنه , فالتعليل ما هو إلا عمل إجتهادي يبذل فيه المجتهد وسعه وفق ضوابط معينة لإستخراج العلة من النص ثم إلحاق الحكم المرتبط بها لكل محل وجدت فيه . 


القول بجواز التعليل هو مذهب جماهير علماء الأمة وخالف في ذالك الظاهرية . وقد ذكر ابن حزام رأيهم ودافع عن مذهبهم دفاعا مستميتا فأنكر التعليل وحشد في ذالك كل ما أوتي من دليل أو شبهة . 


والذي ينبغي فعله لفهم موقف الظاهرية وابن حزم من التعليل فهما دقيقا ذكر الفرق عند هما بين العلة والسبب , فالعلة عند اين حزم وصف مُوجِبٌ لمعلولها , فالملازمة بينها وبين معلولها ضرورية لا تنفك أبدا , فالعلة عنده تشمل نوعين من العلل وهما العلة العقلية والعلة الطبيعية , والعلة بهذا المعنى لا شك أنها مرفوضة قطعا في مبحث التعليل الفقهي .


وأما السبب عنده ففعل يفعله الفاعل إختيارا, فإن شاء رتب عليه أمرا ما رتب , وإن لم يشأ لم يرتبه عليه , كالسفر فقد جعله الله سببا للفطر وليس هناك ارتباطا ضروريا عقليا كان أو طبيعيا بين السفر والإفطار , فالإرتباط حصل بجعل الله عز وجل فالله قد يشاء أن يرتب الفطر على السفر . 


فالفرق الجوهري بين العلة والسبب عنده هو الإختيار , فالعلة مع معلولها علاقتهما الإيجاب أي إذا وجدت العلة وجد معلولها اضطرارا , وأما السبب مع مسبَّبِه فالعلاقة بينهما جعلية إن شاء فاعل السبب إيجاده أوجده وإن لم يشأ لم يوجده . وبذالك فإن ابن حزم فسر السبب بالعلة الجعلية , وهو صورة من صور التعليل لدى الفقهاء , فهو لا ينكر تعليل الأحكام الشرعية بكل صوره , لكنه ومع هذا الإتفاق مع الجمهور في هذه الجزئية وهي التعليل بالسبب , إلا أنه قد أحاط موقفه هذا بجملة من القيود تجعل الهوة بينه وبينهم تتوسع أكثر فقد جعل . 


  • الأسباب توقيفية فلا يجوز استنباط أمر ما إجتهادا وجعله سببا , إلا إذا جاء النص مصرحا به  .
    هذه الأسباب المنصوص عليها لا يجوز القياس عليها 

  • الربط الحاصل بين السبب وحكمه هو بمشيئة الله , فقد لا يكون من وراء ذالك غرض من الشارع لجلب مصلحة أو دفع مفسدة إلا ما نص عليه الشرع .


وبذالك فهو يضيف مصطلحا ثالثا وهو الغرض من وراء التشريع , ويجعل الأسباب مع أحكامها قد تكون لغرض دنيوي وقد تكون لغير غرض دنيوي , فتشريعات الله إنما تكون للأغراض الأخروية فهذا الأصل عنده , ثم إن الأغراض الدنيوية من جلب مصلحة أو دفع مفسدة لا سبيل إلى معرفتها إلا بالنص فهو يرفض إستنباطها إجتهادا .


تلخيص موقف ابن حزم وخلافه من العلماء 


الحاصل مما سبق أن هوة الخلاف بين ابن حزم والجمهور تقل نوعا ما لو أن ابن حزم لم يجعل تعريف العلة بالموجب وجعلها مؤثرة بجعل الشارع , فخلاصة القول أن الإختلاف بين ابن حزم وجمهور القفهاء في مسألة التعليل يتحصل في النقاط التالية :


  • ابن حزم يرى أن الأصل في الأحكام عدم تعليلها والجمهور يرون عكس ذالك 

  • يتفق ابن حزم في تعليل الأحكام بالعلل المنصوصة , ويختلف معهم في تعليل الأحكام بالمسالك الإجتهادية فهو يمنع ذالك . 

  • يرفض ابن حزم التسمية بمصطلح العلة لما جعله الشارع غرضا أو سببا لحكما ما 

  • مع اتفاقه معهم في العلة المنصوصة إلا أنه لا يجيز تعدية حكم محلِّها إلى غير ذالك المحل . 

  • وأيضا فإن ابن حزم لا يرى أن للعلة تأثيرا على دلالة النص , ولا يرى أنها مسلك من مسالك الترجيح . 

  • يرى ابن حزم أن الله قد يشرع لا لغاية دنيوية من جلب مصلحة او دفع مفسدة , ويرى الجمهور عكس ذالك .


إلحاق الأحكام عند ابن حزم والظاهرية 


يعتمد الجمهور في الغالب على معرفة أحكام المسائل غير المنصوصة على القياس , فالمشكلة التي تتبادر للذهن هي كيفية إلحاق الأحكام عند ابن حزم والظاهرية .


يعتمد ابن حزم في إلحاق الأحكام على ما أسماه بالتفريع والتناتج والنظائر , وحقيقتها أخذ بعمومات النصوص وإلحاق جزئياتها بها , فقولنا من سهى فعليه سجدتين ثم إلحاق هذا الحكم بكل صورة من صور السهو , فحقيقته ما يسميه العلماء بتحقيق المناط الذي هو أخذ بقاعدة كلية ثم النظر هل هي محققة في تلك الجزئيات أم لا. 


فخلاصة القول أن ابن حزم يقبل نوعا من التعليل وهو المنصوص عليه فقط , ومع ذالك فهو يرفض تعدية حكم من محل إلى آخر بجامع ما حتى وإن كانت علة الحكم منصوصة , إلا أنه يستنبط الأحكام غير المنصوصة عليها بعمومات النصوص الأخرى إن كانت مدرجة تحت ذالك العموم , وإلا فإنه قد يلجأ لقاعدة البراءة الأصلية فابن حزم والظاهرية من أوسع العلماء أخذا بهذه القاعدة .

google-playkhamsatmostaqltradent