معنى العلة عند الأصوليين وسبب الإضطراب فيه
مصطلح العلة من المسائل الشائكة في أصول الفقه فقد أضطربت آراء الأصوليين فيه كثيرا , وقد ذكر الغزالي أن الغموض في تحديده قد أدى إلى إختلاف الأصوليين في كثير من مباحث العلة , فكثير من هذه الخلافات تندرج تحت الخلاف اللفظي , مما يجعل موضوع تحديد مصطلح العلة ومعرفة أسباب اختلاف الأصوليين فيه أمرا مهما .
العلة في اللغة والإصطلاح
معنى العلة في اللغة فقد قيل أنها اسم لما يتغير به الشيئ من حال لأخرى ومنه سمي المرض علة , فيقال اعتل فلان أي تغير من حال الصحة إلى حال المرض , فتأثير العلة في محلها تكون بتغيير حكمه الشرعي كتغيير المرض للذوات من حال الصحة إلى حال المرض .
وقيل هي مأخوذة من العَلَلَ وهو شرب الحيوان للمرة الثانية , فوروده الماء والشرب منه أول مرة يسمى نَهَلاً ووروده للمرة الثانية يسمى عَلَلاً . فالمجتهد يحتاج لاستخراجها معاودة النظر مرة بعد مرة .
أما معناها إصطلاحا فقد اضطربت عبارات الأصوليين في تحديد معناها كثيرا لسببين رئيسيين :
السبب الأول كلامي : ويندرج تحته إشكالات منها هل العلة مُوجِدَةٌ للحكم أو هي علامة عليه , ثم هل تأثيرها في وجود الحكم ذاتي أم غير ذاتي . ثم ما يلزم من استعمال هذه الألفاظ من اعتقاد في أفعال الله عز وجل .
وعرفها بعض الأشاعرة كالآمدي وغيره بأنها الباعث أو الداعي للحكم بجعل الله عز وجل وهؤلاء جعلوها بمعنى الغرض . وقال الرازي وأبو زيد الحنفي انها الوصف المعرف للحكم أو العلامة عليه لأنه ينفي الغرض عن أفعال الله . وأما الإتجاه الرابع فقد جعلها وصفا ظاهرا منضبطا يلزم من ربط الحكم به حصول قصد الشرع , وهذا التعريف قد جعلها بمعنى السبب .
السبب الثاني تنوع الإستعمال : فلفظ العلة عند الفقهاء والأصوليين يستعمل في ثلاث معان رئيسية .
الإستعمال الأول : السبب الذي يُرتب الشارع عليه الحكم , كالسفر في رمضان فقد جعله الشارع وصفا يترتب عليه الحكم وهو جواز الإفطار , وهذا النوع من السبب يسمى العلة السببية , وهي منقسمة لثلاث أنواع :
- علة سببية عقلية وهذه لا يتخلف المعلول فيها عن علته أبدا .
- علة سببية طبيعية وهي التي يكون الإرتباط فيها بين العلة والمعلول مدركا بالعادة والتجربة .
- علة سببية شرعية وهي التي تقصد بالدراسة في ميدان أصول الفقه , وهي التي جعل الله الإرتباط بينها وبين معلولها مدركا بالشرع , فلا العادة ولا التجربة المحضة تكشف عن هذا الإرتباط ولا العقل المحض كذالك يكشفه , فلا بد من الإستناد للشرع في إدراكها , وهذا النوع قد لا يدرك العقل فيه وجه الإرتباط بين المقدمة ( العلة ) ونتيجتها ( المعلول ) , فالله قد ربط بين زوال الشمس وهي مقدمة نتيجتها ووجوب صلاة الظهر , فالعقل لا يدرك وجه الإرتباط , فزوال الشمس علة سببية ووجوب الصلاة معلول لتلك العلة .
الإستعمال الثاني : قد يطلق العلماء وصف العلة على الغرض أو الحكمة المرادة من الشارع من وراء تشريع حكم ما وبالجملة فغرض الشارع إما تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة , فالحكمة من تحريم الخروج على الحاكم هي الحفاظ على الدماء والأرواح , فيقال العلة في تحريم الخروج على الحاكم الحفاظ على الدماء فأطلقوا العلة على الحكمة . فالعلة هنا بمعنى غرض الشارع وحكمته وتسمى العلة الغرضية .
الإستعمال الثالث : الوصف الموجود في متعلق الحكم فهو مضَمَّن فيه . وهذا الوصف إذا ربط الحكم به تحقق غرض الشارع من الحكم . فلما يحرم الشارع على القاضي القضاء في حال الغضب فالحكم هنا هو التحريم ومتعلَّق الحكم فعل المكلف وهو القضاء في حال الغضب , فالقضاء في حال الغضب تضمن وصفا مناسبا للتحريم وهو تشوش الذهن , وغرض الشارع من التحريم هو المحافظة على العدل بين الناس .
معنى الوصف المضمَّن
قولنا في تحديد معناها بأنها وصف مُضَمَّن أي موجود في متعلَّقِ الحكم , ومتعلق الحكم هو ما حكم عليه الشارع , وهذا الوصف يقتضي ربط الحكم به تحقيق مقصد الشرع من جلب مصلحة أو دفع مفسدة .
فالشارع قد أناط حكم تحريم الخمر بالوصف المضمَّن في الفعل وهو شرب الخمر , فالحكم هنا تكليفي وهو التحريم ومتعلق هذا الحكم هو شرب الخمر , والوصف المضمَّن في شرب الخمر هو الإسكار , وقصد الشارع هنا حفظ العقل وهي مصلحة مقصودة شرعا . وكما ربط الشارع إباحة الفطر بالوصف المضمَّن في السفر وهو المشقة بغية دفع المشقة التي هي قصد الشارع , ولما كانت المشقة غير منضبطة إعتبر الشرع مضانها وهو السفر .
والشارع أيضا قد جعل السفر سببا لإباحة الفطر في رمضان , فالحكم هنا وضعي وهو جعل السفر سببا , فمتعلق الحكم السفر وهو حكم وضعي , فالشارع حكم على السفر أنه سبب لإباحة الفطر , والسفر من شأنه أن يؤدي إلى حصول المشقة فقد تضمن وصف المشقة , فربط الحُكم بها مناسب لقصد الشارع في رفع الحرج . فالعلة الحقيقية هي المشقة ولكنها لما كانت غير منضبطة عدل الشارع عنها إلى مظانها .
الملاحظة الأولى : يقصد بالوصف هنا احد أمرين :
- الأول : المصلحة أو المفسدة ذاتها التي تلزم عن ذالك الفعل , كالمشقة التي تحصل جراء السفر أثناء الصيام , فجعلها الشارع وصفا مناسبا لإباحة الفطر رفعا لها .
- والثاني : الوصف الذي هو طريقٌ إلى المصلحة أو المفسدة التي قصدها الشارع من الحكم , فمفسدة شرب الخمر هو السكر , وأما الشدة الموجودة في الخمر فهي دالة على وجود السكر , مع أن الشدة ليست هي عين المفسدة التي يريد الشارع إزالتها بالمنع , فالشدة هنا وصف يستلزم وجوده وجود المفسدة التي هي السكر .
الملاحظة الثانية : الوصف الذي يشتمل عليه الحكم قد يكون مناسبا للحكم بمعنى أن العقل يدرك كيفية إفضاء هذا الوصف إلى قصد الشارع عند ربطه بذالك الحكم , فالعقل يدرك أن إرتباط السكر بالتحريم في الخمر من شأنه أن يدفع المفسدة .
وقد يكون الوصف المضمن في الحكم غير مناسب أي لا يدرك العقل وجه ارتباط الوصف بالحكم لتحقيق قصد الشارع , ومعنى هذا الكلام أن العقل لا يدرك كيفية إفضاء هذا الوصف للمصلحة او المفسدة , كالطعم الذي نجعله مثلا وصفا في البر لتحريم بيع البر بالبر متفاضلا , فإن العقل لا يدرك وجه إفضاء هذا الوصف لقصد الشرع .
الفرق بين السبب والعلة
إختلف الأصوليون في العلاقة بين السبب والعلة على أقوال يمكن إدراجها ضمن قسمين رئيسيين .
القسم الأول : يرى أصحابه أن الوصف لا يكون علة إلا إذا ظهرت المناسبة بينه وبين الحكم , وهؤلاء انقسموا فريقين .
- الفريق الأول فأكثرهم يرى أن السبب شامل للعلة فكل علة سببا وليس كل سبب علة , وبذالك فالسبب وصف قد يكون مناسبا للحكم وقد لا يكون مناسبا , فالإسكار علة وسبب في آن واحد لكونه وصفا مناسبا لحكم تحريم شرب الخمر . لكن دلوك الشمس ليس وصفا مناسبا لوجوب الصلاة فيسمى سببا ولا يسمى علة .
- والفريق الثاني قال إن ظهرت المناسبة بين الوصف والحكم سميناها علة ولم نسميها سببا كالسفر فهو علة الإفطار وليس سببا له , وإن لم تظهر المناسبة بينه وبين الحكم سميناها سببا ولم نسميها علة كرؤية الهلال فهو سبب لوجوب الصوم وليس علة له فهذا الفريق يفرق بين السبب والعلة .
القسم الثاني : وأما من لم يشترط ظهور المناسبة بين العلة والحكم , فقد قال إن السبب والعلة مترادفان لا فرق بينهما كصاحب جمع الجوامع وشارحه المحلي .
الفرق بين العلة والحكمة
تطلق الحكمة عند الأصوليين على معنيين . الأول غرض الشرع من تشريع حكم وهو جلب مصلحة أو دفع مفسدة وهو قول الجمهور. والإطلاق الثاني على نفس المصلحة والمفسدة , فالحكمة من مشروعية قصر الصلاة على المعنى الأول دفع المشقة وعلى المعنى الثاني هي المشقة نفسها .
فعلى قول الجمهور فإن العلة وصف منضبط بينما الحكمة قد لا تكون وصفا منضبطا , فإذا كانت الحكمة وصفا منضبطا صح إطلاق لفظ العلة عليها .
فالحكمة أو العلة الغرضية هي المُوجِدُ الحقيقي والأصلي للحكم , فالذي أوجد رخصة الفطر للمسافر هو دفع المشقة الحاصلة من السفر . فالحكمة هي الباعث الحقيقي لتشريع الحكم والعلة وصف معرِّف لها .
وعلى هذا فالوصف المضمَّن غير مُوجِدٍ للحكم حقيقة , بل الموجد له حقيقة هو الحكمة ( العلة الغرضية ) . فالشارع إنما حرم الخمر من أجل حفظ العقل , ثم لما تأملنا وجدنا أن فعل المكلف يتضمن وصفا يحقق غرض الشارع الذي من أجله شرَّع الحكم والوصف هو الإسكار فقلنا أنه علة التحريم .
كذالك السبب ليس هو الموجد حقيقة للحكم بل غرض الشارع هو الموجد الحقيقي , والفرق بين السبب والوصف المضمن في التعبير عن قصد الشارع أن الوصف المضمن أدق من السبب في التعبير عن الوصف الحقيقي - العلة الغرضية - الذي شرع الشارع لأجله الحكم , فالسبب قد يشتمل على عدة أوصاف طردية ليس لها تأثير على الحكم . ومن هنا يأتي الوصف المضمَّن ليُظهر الوصف الحقيقي الذي جعل الشارع يقرن هذا السبب بهذا الحكم .
- أثر تعليل الأحكام في تأويل وتفسير النصوص دراسة تأصيلية فقهية قضائية ماهر حسين حصوة
- تحقيق معنى العلة الشرعية دراسة تحليلية نقدية أيمن صالح
- تعليل الأحكام محمد مصطفى شلبي
- البحر المحيط في أصول الفقه بدر الدين زركشي
- شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل أبو حامد الغزالي
- المستصفى ابو حامد الغزالي
- السبب عند الأصوليين عبد العزيز الربيعة
- أثر إشتراط المناسبة في العلة وعدمه في مسائل القياس عبد الله آل مغيرة
- تعليل الأحكام في الشريعة الإسلامية



