حديث المسيئ في صلاته تأملات فقهية وتقعيدات تأصيلية
وردت قصة الرجل المسيئ في صلاته في حديث متفق عليه , وقد أخذ هذا الحديث عناية كبيرة وأهمية عظيمة لدى الفقهاء وشراح الحديث كونه يتحدث عن أعظم ركن في الإسلام الذي هو الصلاة , وقد بنى عليه الفقهاء مسائل فقهية متعددة سنحاول من خلال ما نكتبه في هذا المقال الوقوف على أهم كلام العلماء حوله وأهم تقعيداتهم الأصولية والفقهية المتعلقة به .
الكلام عن الصحابي المسيئ في صلاته وتخريج الحديث وشرح ألفاظه
هذا الحديث متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم , وأخرجه ابن حبان وأحمد وأبو داود في الصلاة، باب : صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، والترمذي في الصلاة ، باب: ما جاء في وصف الصلاة والنسائي في الافتتاح ، باب: الرخصة في ترك الذكر في الركوع، وصححه ابن خزيمة ، والحاكم وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي ، والطبراني ، والبيهقي في السنن .
مدار هذا الحديث على الصحابيين الجليلين الأول أبو هريرة رضي الله عنه والثاني رفاعة بن رافع , وقد كان رفاعة حاضرا للقصة وهذا أدعى للضبط والإستحضار, كما أن الرجل المسيئ في صلاته هو أخوه خلادا وقد جاءت تسميته في إحدى روايات الحديث , لذا فقد كانت رواية رفاعة كثيرة الزيادات والفوائد .
فهذا الرجل دخل المسجد وصلى ورجح الكثيرون أنها كانت صلاة نافلة والأقرب عندهم أنها تحية المسجد , فلما انهى صلاته قال له رسول الله (( ارجع فصلي فإنك لم تصلي )) , فصورة الصلاة قد وجدت لكنها ليست الصورة الشرعية المطلوبة لذا فقد نفى وجود الصلاة فحقيقتها العرفية وجدت ولكن حقيقتها الشرعية غير موجودة .
عاد الرجل وصلى صلاة كالتي قبلها فأمره أيضا بالإعادة , وهكذا أيضا حصل في الثالث ثم قال الرجل (( والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني )) , وقد رده النبي ثلاثا ولم يعلمه مع الصلاة الأولى لينتبه أكثر ويضبط ما سيقوله له ضبطا تاما , وهنا أقسم الرجل بانه لا يحسن غير الذي رآه النبي من صلاته فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله (( إذا قمت للصلاة فكبر )) أي تكبيرة الإحرام ولا تجزئ بغسر لفظ الله أكبر عند الجمهور خلافا للحنفية , ثم قال له (( ثم اقرأ ماتيسر معك من القرآن )) وقد استمسك الحنفية بهذا في نفي ركنية الفاتحة في الصلاة , وفي بعض روايات الحديث (( ثم اقرأ بأم القرآن )) فتكون مبينة للرواية الأخرى .
قوله (( ثم اركع حتى تطمئن راكعا )) وقد استمسك بهذا الجمهور في نفي وجوب تكبيرات الإنتقال لعدم ذكرها , والطمأنينية معناه الأناة والرفق وعدم العجلة . والقدر الواجب من الطمأنية في الركوع أن يمكن يديه من ركبتيه ويأتي بالذكر المشروع فيه ولو مرة واحدة وهو قوله (( سبحان ربي العظيم )) .
قوله (( ثم ارفع حتى تعتدل قائما )) وقد جاء معنى الإعتدال في حديث آخر وفيه (( حتى يعود كل فقار إلى مكانه )) أي كل عضو يعود إلى مكانه .
قوله (( ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا )) (( ثم ارفع حتى تطمئن جالسا )) ولم يذكر هنا الأذكار المشروعة في هذه الأركان ولا تكبيرات الإنتقال فجعل الجمهور هذا دليلا على عدم وجوبها .
قوله (( ثم افعل ذالك في صلاتك كلها )) يحتمل أمرين أي إفعل ما علمتك إياه في كل ركعة من ركعات الصلاة , أو إفعل هذا في كل صلواتك الأخرى وهذه هي طريقة تأدية جميع الصلوات .
طرق المذاهب في التقعيدات المستنبطة من حديث المسيئ في صلاته
اختلف نظرة العلماء من مختلف المذاهب الفقهية في الأخذ بهذا الحديث وفي تأويله , فمنهم من عده أصلا في بابه ومنهم من عده كغيره من النصوص فيما يخص أركان الصلاة وفرائضها , والمتفق عليه أن الحديث لم يرد لعد السنن والمستحبات .
الفريق الأول : ذهب هذا الفريق من العلماء لاعتبار هذا الحديث هو العمدة والأصل في تحديد ما يجب من أقوال وأفعال في الصلاة وما لا يجب , فما ذكر في هذا الحديث عدوه واجبا وما لم يذكر فيه لم يكن واجبا , وبذالك فهؤلاء يعتبرون الحديث قرينة صارفة لما جاء من آحاديث أخرى في إيجاب فعل أو قول لم يذكر في حديث المسيئ في صلاته فيحملونه على الندب والإستحباب .
والدليل لدى هؤلاء أن هذا الحديث جاء لبيان ما يجهله الرجل مما يبطل الصلاة بدليل أنه لم يذكر المسنونات من أفعال الصلاة وأقوالها , وكذالك في ذكره ما يبطل الصلاة لم يقتصر على ما أساء فيه الرجل بل قد ذكر ما أساء فيه من صلاته وما لم يسئ , مما يؤكد أن قصد النبي صلى الله عليه وسلم عد واجبات الصلاة وأركانها .
الفريق الثاني : قالوا حديث المسيئ في صلاته لم يسقه النبي صلى الله عليه وسلم لحصر أركان الصلاة وواجباتها , بل ساقه للحديث عما أهمله هذا المصلي من واجبات الصلاة والذي هو الطمأنينة , وأئمة المحدثيين يترجمون على الحديث بقولهم باب وجوب الطمأنينة , ودليلهم أن الحديث سيق لتعليم المصلي التأني في الصلاة وعدم الإخلال بالطمأنينة على ما ورد في بعض روايات الحديث فعند الترمذي وأبو داود والنسائي (( أنه أخف صلاته )) .
تحقيق ابن دقيق العيد في المسألة
يذهب ابن دقيق العيد في كتابه إحكامه الأحكام شرح عمدة الأحكام أن حديث المسيئ في صلاته قد سيق لحصر أركان الصلاة وواجباتها , ثم بنى على هذا القول ثلاثة أشياء :
الأول الإستدلال به على ركنية فعل أو قول ما في الصلاة , فكل موضع إختلف الفقهاء في وجوبه فللقائل بوجوبه أن يستدل بأنه قد ذكر في الحديث , ولا شك أن هذا لا نزاع فيه فكل ما ذكر في الحديث فهو من واجبات الصلاة وأركانها .
الشيئ الثاني الإستدلال به على عدم ركنية فعل ما أو قول ما في الصلاة : فكل موضع اختلف في عدم وجوبه فللقائل بعدم الوجوب أن يستدل بعدم ذكره في الحديث وهذا موضع الإشكال والخلاف بين العلماء على ما مر ذكره . أما إن جاء نص في وجوب قول أو فعل لم يذكر في الحديث , فالمقدم عند ابن دقيق العيد الأخذ بالأمر , ثم قال ويمكن أن يقال أن هذا الأمر يحمل على الندب ويعتبر حينئذ حديث المسيئ في صلاته قرينة صارفة للأمر من الوجوب للندب .
الشيئ الثالث الإستدلال به على عدم حرمة فعل أو قول ما في الصلاة , فالقاعدة التي قررها ابن دقيق العيد أن كل موضع اختلف في حرمته في الصلاة ولم يذكر الحديث وجوب التلبس بضده فيمكن القول أن ذالك الفعل غير محرم فلو كان محرما لأمرنا الشارع بالتلبس بضده .
تحقيق ابن القيم في المسألة
يذكر ابن القيم أن طائفة من الفقهاء بالغت في استعمال حديث المسيئ في صلاته في نفي وجوب ما لم يذكر , وقد ناقش قولهم أن ما كل فعل أو قول لم يذكر في الحديث فلا يجب ولا يكون ركنا من أركان الصلاة بوجوه عدة .
فالإحتجاج في نفي وجوب ما اختلف فيه بهذا الحديث خطأ ومبالغة وتحميله فوق طاقته , فغاية ما في الحديث أنه ذكر واجبات وسكت عن أخرى , فإذا وُجد نص آخر ذكر واجبات أخرى فلا يقال إن بين الحديثين تعارض , وأجاب ابن القيم عن شبهة أن الموضع موضع تعليم وبيان وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بأنه لا يمكن الإستدلال بهذا الحديث وفق هذه القاعدة أن ما لم يذكر فليس بواجب , وإلا لزم منه لوازم باطلة إجماعا فإنه يلزم منه عدم وجوب النية ولا السلام ولا استقبال القبلة وغيرها من الواجبات المتفق عليها التي لم تذكر في الحديث .
وعليه فإن ابن القيم يرى أن ما أمر به رسول الله في غير هذا الحديث فيحمل على الوجوب , وأما عدم ذكره في حديث المسيئ في صلاته فهو يحتمل وجوها عدة , منها أنه لم يسئ فيها أو أنه وجب بعد ذالك أو أنه كان يعلمها أو أنه أحاله لغيره كي يعلمه , ومع هذه الإحتمالات فإن نفي وجوب ما لم يذكر استمساك بالمتشابه والحديث الوارد في إيجاب شيئ لم يذكر صريح فيقدم الصريح المحكم على المحتمل المتشابه المجمل .
أركان الصلاة وفرائضها في المذاهب الفقهية المعروفة
ساق أئمة الحديث حديث المسيئ في صلاته لبيان حكم الطمأنينة في أركان الصلاة , وقد ذهب الجمهور إلى وجوبها واشتهر عن الحنفية قولهم سنة إلا ان الطحاوي له كلام صريح في قولهم بالوجوب .
أما باقي أركان الصلاة وواجباتها فقسمين قسم متفق عليه وقسم مختلف فيه , وقد عد ابن حجر عليه رحمة الله الأركان الواجبة اتفاقا ولم تذكر في الحديث واجبان النية والقعود الأخير للسلام , أما الواجبات المختلف فيها مما لم تذكر في الحديث فهي التشهد الأخير والصلاة على رسول الله والسلام للخروج من الصلاة .
فالأركان المتفق عليها بين المذاهب الفقهية هي : التحريمة والقيام والقراءة والركوع والسجود والقعدة الأخيرة , وسبب قولنا التحريمة وليس (( تكبيرة الإحرام )) لأن الحنفية يجيزون الإحرام في الصلاة بغير لفظ (( الله أكبر )) بل كل لفظ فيه تعظيم لله فقد اجازوا إفتتاح الصلاة به . وسبب الخلاف كما قرره ابن رشد هل لفظ التكبير المقصود به هو اللفظ المتعهد به أم المعنى .
وأيضا فالجمهور قالوا قراءة الفاتحة ركن والحنفية قالوا الركن هو مطلق القراءة استمساكا بالرواية التي في هذا الحديث بلفظ (( ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن )) . وفي بعض الروايات قد عين للمسيئ في صلاته قراءة الفاتحة وهو مستمسك الجمهور فما أجمل في تلك الرواية قد بينته هذه الرواية وأيضا للآحاديث الأخرى كحديث (( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )) والمسألة فيها أخذ ورد بين الفريقين .
وأما عدم ذكر الإعتدال من الركوع والجلوس بين السجدتين في المتفق عليه من أركان الصلاة مع ورودهما في الحديث , ذالك أن الحنفية لم يجعلوهما من الأركان .
ومما ينبغي أن يعلم ان الحنفية يفرقون في الصلاة بين الفرض والواجب ( الركن ) , فالركن عندهم ما ثبت بدليل لا شبهة فيه وحكمه أن الصلاة تبطل بتركه سهوا أو عمدا , أما الواجب فما ثبت بدليل فيه شبهة كقراءة الفاتحة وحكمه أن من تعمد تركه يأثم ولا تبطل صلاته ويجبر بسجود السهو .
وكذالك فإن الحنابلة فرقوا بين الفرض والواجب وفرقوا بين أحكامهما , وعلى هذا فأقوال وأفعال الصلاة تنقسم عند الحنابلة لثلاث أقسام فرض وواجب وسنة , ولكل قسم حكمه في العمد والسهو فواجبات الصلاة عندهم تجبر بسجود السهو وتسقط بالنسيان والجهل .
ملخص القول أن العلماء اختلفت آراؤهم في عد هذا الحديث أصلا يرجع إليه في معرفة أركان الصلاة وفرائضها , فمنهم من يرى أنه أصل يرجع إليه فما ذكر في الحديث بتجميع طرقه فهو واجب وما لم يذكر وجاء الأمر به في حديث آخر فبعضهم يحمل هذا الأمر على الندب باعتبار وجود قرينة صارفة , وبعضهم يقارن بين الأمرين ويرجح ما ترجح عنده .
بينما فريق آخر من العلماء لا يعد حديث المسيئ صلاته أصلا في تعيين فرائض الصلاة وأركانها , بل يعتبره قد ذكر بعضا من فرائضها فحسب والأصل عندهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) , فما نقل إلينا أن النبي داوم على فعله فهو من واجبات الصلاة وما نقل إلينا أنه تركه في بعض الأحيان فليس من واجباتها ولا أركانها .
مراجع البحث
1 . إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ابن دقيق العيد
2 . العدة حاشية الصنعاني على إحكام الأحكام الأمير الصنعاني
3 . شرح عمدة الأحكام تفريغ لدروس صوتية عبد الكريم الخضير
4 . الإعلام بفوائد عمدة الأحكام ابن الملقن الشافعي
5 . العدة في شرح العمدة لابن العطار الشافعي
6 . جزء حديث المسيئ صلاته بتجميع طرقه وزياداته محمد عمر بازمول
7 . فتح السلام شرع عمدة الأحكام مأخوذ من فتح الباري جمعه عبد السلام بن محمد العامر
8 . بداية المجتهد ونهاية المقتصد ابن رشد القرطبي
9 . الفقه الإسلامي وأدلته الدكتور وهبة الزحيلي
10 . زاد المستقنع الحجوري
