recent
أخبار ساخنة

حديث أنس في البسملة دراسة أصولية فقهية

 حديث أنس في البسملة دراسة أصولية فقهية


الأصل في حكم قراءة البسملة في الصلاة حديث أنس , ونعني بالبسملة قولنا بسم الله الرحمن الرحيم , ونظرتنا إلى الحديث ستكون نظرة أصولية فقهية نذكر فيها موقف المذاهب الأربعة والقواعد الأصولية المستخدمة في توجيه حديث أنس وما هو الراجح في المسألة . 

حديث أنس في البسملة دراسة أصولية فقهية

حكم قراءة البسملة في المذاهب الأربعة


من المسائل الفقهية المختلف فيها إختلافا كثيرا بين علماء الفقه حكم قراءة البسملة في افتتاح الصلاة , وترجع مذاهبهم في الجملة لقولين .


القول الأول : أن قراءتها مشروعة وهو مذهب جمهور الفقهاء , وهو قول الحنابلة والشافعية والحنفية , ويندرج تحت هذا القول مذهبين .  


  • فالشافعية يرون وجوب قراءتها مطلقا , ولكنهم يرون أنه يسر بها في السرية ويجهر بها في الجهرية استحبابا , فقراءتها واجبة وأما صفة قراءتها فمستحبة وكيفيتها تكون تابعة لكيفية القراءة في الصلاة . 
  • وأما الحنابلة والحنفية فيرون أن قراءتها مستحبة ولا تجب , والمستحب عندهم هو الإسرار بها مطلقا سواء كانت الصلاة جهرية أم سرية , فحكم قراءتها مستحبة وصفة قراءتها كذالك مستحبة . 


فبعد اتفاق هؤلاء على مشروعية قراءتها إختلفوا في موضعين , الأول حكم قراءتها فالشافعية يرون أنه الوجوب والحنفية والحنابلة يرون أنه الإستحباب , والموضع الثاني صفة القراءة فالشافعية يرون أن صفتها مرتبطة بصفة القراءة في الصلاة , ففي الجهرية يجهر بها وفي السرية لا يجهر بها , أما الحنابلة والحنفية فعندهم الإسرار بها مطلقا .


القول الثاني : أن قراءة البسملة في الصلاة مكروه وهو قول المالكية وهو أصل مذهبهم , فالمشهور عندهم أن قراءتها في الفريضة مكروه سواء كانت قراءتها سرا أو جهرا وإذا قُرأت فلا تفسد الصلاة , واستثنوا من ذالك النافلة فجعلوا قراءة البسملة فيها غير مكروه على قاعدتهم في مراعاة الخلاف . 


سبب إختلاف العلماء في حكم البسملة 

 

وأما سبب اختلاف الفقهاء في المسألة فإنه يرجع إلى سببين رئيسين .


السبب الأول : إختلافهم في كون بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة أم لا فمذهب الشافعية أنها آية , ومذهب غيرهم من الأئمة انها ليست بآية وهذا سبب إختلاف الشافعية مع الحنفية والحنابلة في القول بالوجوب أوالإستحباب .


فالقول أن البسملة آية من الفاتحة لا شك أنه يلزم منه القول بوجوبها , أما القول بأنها ليست بآية فيقتضي ذالك النظر في الأدلة الآخرى , وأما الجهر بها كما هو مذهب الشافعية فلا يلزم من عدها آية كما نبه إليه النووي في المجموع , فقد اعتمد الشافعية على آثار ظاهرها الجهر بالبسملة في القراءة .


السبب الثاني : إختلاف ظواهر النصوص في هذا الباب , والنصوص في هذه المسألة يمكن تقسيمها لقسمين كما سنذكره والأصل في هذا النصوص هو حديث أنس.


تصنيف آحاديث البسملة بحسب قوة دلالتها 


لدراسة المسألة من كل نواحيها لا بد من النظر في الأدلة الأخرى , ثم موقع هذه الأدلة بالنسبة لحديث أنس , فبالجملة يمكن أن نقسم هذه الآحاديث لقسمين .


القسم الأول : ظاهرها يدل على الجهر بها في الجهرية وهي الآحاديث والآثار التي تمسك بها الشافعية . وأحاديث الجهر بالبسملة قد جمعها الكثير من الحفاظ وجعلوها في مصنفات خاصة , إلا أن أغلبها لا يصح عند علماء الحديث , وما صح إسناده منها فهو غير صريح بقراءتها في الصلاة , وجملة القول كما قال ابن رجب أن آحاديث الجهر بالقراءة إما صحيحة غير صريحة وإما صريحة غير صحيحة وكذا قال الشيخ الألباني , فلا يمكن أن تعارض باقي الروايات التي هي في الصحيحين . 


وأقوى آحاديث الجهر بالبسملة التي تمسكوا بها حديث نعيم المجمر الذي أخرجه الحاكم وابن خزيمة والنسائي أنه صلى خلف أبا هريرة فقرأ أبوا هريرة ((بسم الله الرحمن الرحيم )) ثم قرأ بأم القرآن , ثم قال (( إني لأشبهكم صلاة برسول الله )) , والحديث ليس فيه تصريحا بكيفية قراءتها جهرا أم سرا ففيه مجرد القراءة وهي تتحقق بقراءتها سرا كما تتحق بقراءتها جهرا فالحديث محتمل لكليهما وإن كان ظاهرها يدل على قراءته لها , إذ قراءتها سرا لا تعلم إلا بسؤال نعيم لأبي هريرة . 


القسم الثاني : آحاديث تدل قطعا على عدم قراءة البسملة جهرا وأما دلالتها على عدم الإسرار بها أو عدم قراءتها أصلا فمحتمل , وأصل هذه الأحاديث كلها هو حديث أنس بن مالك . 


مسالك العلماء في التعامل مع حديث أنس


حديث أنس أخرجه البخاري ومسلم بلفظ (( فلم أسمع احدا منهم يقرأ ... )) فهذا لفظ البخاري ومسلم المتفق عليه , وقد روي في غيرهما بألفاظ مختلفة , قال الزيلعي أن رجال تلك الروايات كلهم ثقات .

قراءة البسملة في الصلاة
ألفاظ حديث أنس في البسملة

ذكر العيني والزيلعي أن ألفاظ الحديث سبعة , لكننا نستطيع أن نجملها في ثلاث فقط , فنوع منها يدل على نفي سماع البسملة أثناء القراءة مثل (( فلم أسمع )) , ونوع آخر يدل على قراءتها سرا مثل (( فكانوا يسرون )) , والنوع الثالث ألفاظ فيها المبادرة بقراءة الفاتحة دون ذكر للبسملة وقد سلك العلماء مسلكين إزاء هذه الروايات مسلكين .


المسلك الأول : فبعضهم قال الروايات عن أنس متضاربة وقد أخذ بهذا المسلك القاضي عياض من المالكية فقال أنه لا تقوم الحجة بحديث أنس لاضطراب رواياته . وأيضا ممن أخذ هذا المسلك ابن حجر الهيثمي وألف رسالة يبين فيها اضطراب الحديث سماها إلصاق عوار الهوس بمن لم يفهم الإضطراب في حديث البسملة عن أنس .


وقد رد كلا من الحافاظ ابن رجب وابن حجر على هذا الإدعاء وقالوا أن الآحاديث غير مضطربة وكلها ترجع إلى معنى واحد , وقد أيد القاضي عياض مذهب المالكية بعمل أهل المدينة وقال المتواتر عنهم أنهم يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين  . 


المسلك الثاني : فقد قال أصحابه أن هذه الآحاديث لا شك أن أصلها حديث واحد روي عن أنس فهو أصل لجميع هذه الروايات , وأما باقي الروايات فقد رويت عن أنس بالمعنى , ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم أصل الرويات هي رواية (( فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين )) فصحح لفظها وجعله محفوظا , وضعف باقي ألفاظ الروايات الأخرى وقد قال بهذا القول الخطيب البغدادي .


وممن جعل لفظ هذه الرواية أصلا محكما الإمام الشافعي , وجعل ألفاظ باقي الروايات متشابها يرجع معناها إلى لفظ هذه الرواية , فمعنى حديث أنس عندهم أن من ذكرهم فقد كانوا يبدأون القراءة في الصلاة بتقديم قراءة الفاتحة على السورة وليس المعنى أنهم لا يقرأون البسملة وهذا الذي فسر به ابن حجر حديث أنس . 


وقال ابن رجب وغيره الواجب في مثل هذا هو اعتبار الروايات الصريحة أصلا يرجع إليه فتكون من قبيل المحكم وباقي الروايات المحتملة فهي متشابه ترد إلى الصريح منها , قالوا اللفظ الذي أرتضاه الشافعية من ألفاظ حديث أنس وجعلوه محكما ليس هو الصريح المحكم فيها بل هو محتمل متشابه .


وقد قال هؤلاء أن الآحاديث التي ظاهرها ينفي قراءة البسملة عند التأمل فيها وفي غيرها تجدها تدل على نفي قراءتها جهرا لا سرا وهو المتيقن من حديث أنس , وبهذا تجتمع ألفاظ الحديث ولا تضطرب عامة الأدلة في المسألة , وقد سلك هذا المسلك الكثير من العلماء كابن تيمية والعثيمين وغيرهم .


هذه المسألة كما قال الإمام السيوطي طويلة الذيول , وهي من مسائل الإجتهاد , وقد كان المازري وهو من شيوخ المالكية يقرأ بها في الصلاة فقيل له أن مذهب مالك عدم قراءتها فقال مذهب مالك على قول واحد قراءتها لا تبطل الصلاة ومذهب الشافعي على قول واحد عدم قراءتها يبطل الصلاة , فاختار الإمام المازري قراءتها خروجا من الخلاف .


مراجع البحث
  1. بداية المجتهد ونهاية المقتصد    ابن رشد 
  2. فتح الباري     ابن رجب 
  3. إحكام الأحكام      ابن دقيق العيد 
  4. فتح الباري      ابن حجر 
  5. نصب الراية     الزيلعي 
  6. المغني     ابن قدامة 
  7. المجموع     النووي 
  8. الذخيرة     القرافي 
  9. نيل الأوطار   الشوكاني
  10. بدائع الصنائع   الكساني
  11. مجموع الفتاوي  ابن تيمية
google-playkhamsatmostaqltradent