حكم الإحتفال بالمولد النبوي نظرة فقهية تأصيلية
من المسائل التي كثر فيها الحديث أخذا وردا مسألة الإحتفال بالمولد النبوي , فبعد تتبعي لكلام أهل العلم من خلال ما ألفوه من رسائل بين مؤيد ومانع تلخص عندي جملة من الأشياء , من ذالك صور الإحتفال وحكم كل صورة , ومستند كل فريق من الأدلة والقواعد .
صور الإحتفال بالمولد النبوي وحكم كل صورة
أما المتفق على تحريمه من صور الإحتفال ما كان فيه معصية ظاهرة متفق على حرمتها , وهذا النوع ليس موضوع حديثنا وإنما حديثنا عن الإحتفال الذي يكون بأفعال مباحة أو مندوبة , لذا فإننا نستطيع القول أنه يمكن تقسيم صور الإحتفال إلى قسمين رئيسيين .
الصورة الأولى : صنع الطعام والتوسعة على العيال والإكثارمن أعمال البر من الصدقات وقراءة القرآن والصيام والذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم . ولأهل العلم في حكم هذه الصورة رأيين مختلفين .
- الأول منهما الجواز وذهب إليه السيوطي في الحاوي ونقل الجواز عن ابن حجر , وممن اجاز هذه الصورة الحافظ السخاوي وابو شامة شيخ النووي وغيرهم .
- وأما الرأي الثاني الذي هو المنع فقد ذهب إليه من المالكية الشاطبي والفاكهاني شارح الرسالة وكلام ابن الحاج المالكي في المسألة مضطرب وممن ذهب لهذا المذهب الشيخ ابن تيمية , والذي يظهر والله أعلم رجحان هذا القول لما نعرضه من أدلة فيما يأتي .
الصورة الثانية : أن يستغل الإمام وقت اجتماع الناس في المسجد فيحدثهم عن سيرة رسول الله وفضائله واخلاقه , فيعضهم بهذه المناسبة أو أن يجمع الرجل أبناؤه وأهله ويعلمهم شيئا من ذالك لا يزيد عنه شيئا كتخصيص هذا اليوم بالصدقة أو بقراءة القرآن أو الذكر فهذه الصورة أخف من الأولى وأقرب إلى الجواز .
ومع ذالك فهذه الصورة قد منعها بعض العلماء كالشيخ ابن باز رحمه الله , وقد كانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تحتفل بالمولد بهذه الطريقة , فيلقون دروس السيرة ويحدثون الناس في المساجد عن أخلاق النبي وشمائله . لكن يجب التنبيه لأمر وهو أنه إن اعتقد الفاعل أن التذكير في هذا اليوم مطلب شرعي على جهة الإستحباب فلا شك أن القول ببدعيته أولى , فالتذكير بأيام الله شئ والتذكير في أيام الله شئ آخر وقد أُمرنا بالأول دون الثاني .
أدلة المجيزين للإحتفال وجه إستدلالهم
الملاحظ أن أدلة المجيزين للإحتفال بالمولد أغلبها عمومات في الأمر بإظهار الفرح بالنعم أو التذكير بأيام الله , وكلامنا حول هذه النقطة يكون في محورين الأول ضعف الإستدلال بمثل هذه العمومات والثاني أسئلة تثير إشكالات في استدلالاتهم هذه .
المحور الأول : مما اعتمدوا عليه عمومات من الكتاب والسنة على مشروعية الفرح بالنعم وشكرها , ثم جعلوا من وسائل شكر هذه النعم إقامة الإحتفال بأيام وقوعها , ويمكن تلخيص أقوى أدلتهم إجمالا في دليلين الأول من القرآن والثاني من السنة النبوية
أما من القرآن فمما اعتمدوا عليه قوله تعالى ((وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ )) ووجه الإستدلال من الآية عندهم أن لفظ أيام جمع مضاف , فيفيد العموم في الأيام فبذالك يدخل التذكير بمولده فهو يوم من أيام الله عز وجل .
لكن يقال أن هذا لفظ عام من وجه مطلق من وجه آخر , فهو عام في الأيام ولكنه مطلق في كيفية التذكير وفي زمانه , فالتذكير صالح في كل زمان و مكان , والإشكال في تقييد هذا التذكير بزمان ما دون آخر أو بكيفية دون أخرى , ولم يرد في الشرع مقيد فيبقى على إطلاقه من التذكير بمولده وسيرته في كل وقت مناسب , فإذا أنضاف إلى التذكير إعتقاد أن ذالك الزمان المخصوص أكثر تأكدا من غيره طولب المدَّعي بالدليل على تخصيص هذا الزمان بالفضل دون غيره .
فقاعدة الشرع أن التخصيص فرع التشريع والمشرع هو الله وحده , ثم ما هي كيفية التذكير فهل ستكون بصناعة طعام , أم بتخصيص عبادة من العبادات في زمن وقوع الحادثة فحينها يطالب مدعي ذالك بالدليل . ووجه آخر في معنى التذكير في الآية أنه الإنذار والوعظ لأنه عُدي بالباء قاله ابن عاشور في تفسيره , فيكون المقصود بالتذكير هنا تذكير عِظة لا تذكير احتفال .
وأما إستدلالهم بالسنة فعمدتهم في ذالك حديث البخاري ومسلم , وفيه أن النبي لما قدم المدينة وجد اليهود تصوم عاشوراء إقتداء بسيدنا موسى الذي صامه شكرا لله عز وجل , فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( فنحن أحق وأولى بموسى منكم )) ووجه الإستدلال منه , أن شكر الله مشروع عند حلول نعمة أو رفع نقمة وشكر الله يحصل بأنواع من العبادات .
فالدليل المعتمد هو الإستدلال بطريق الأولى وبيانه أنه كلما كانت النعمة أعظم كان شكرها أحق وأولى , فالمنطوق به في النص هو شكر الله يوم عاشوراء بالصيام على نجاة سيدنا موسى والمسكوت عنه يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم وهو من أعظم النعم على البشرية , فكان هذا اليوم أحق بشكر الله عز وجل بتخصيصه ببعض من العبادات . وفي هذا اليوم ليس إحداثا لأصل عبادة بل هي عبادات ثابتة خصصت بهذا اليوم لما ذكرنا .
وأيضا مما اعتمدوا عليه من السنة حديث مسلم أنه سئل عن صيامه ليوم الإثنين فقال (( ذالك يوم ولدت فيه )) , فقد جعل علة صومه لهذا اليوم أنه يوم مولده فكذالك الثاني عشر من ربيع يوم ولد فيه فيشرع فيه الصوم . والحقيقة أن كلا الدليلين اعتمد فيهما أصحابهما على القياس .
المحور الثاني : في إيراد أسئلة تجعل المسألة أكثر وضوحا وفي هذا الإيراد رد أيض على دليلهم من السنة النبوية , فنقول قد علم الله عز وجل فضل أزمنة وأمكنة فعلَّمها رسوله الذي بلغنا إياها وخصها بأشياء , فمن ذالك شهر رمضان ولياليه الأخيرة والأيام الأولى من عشر ذي الحجة وبعض الشهور كمحرم وغيرها , ثم النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالإكثار من النوافل واعمال البر على جهة الإستحباب في هذه الأزمنة والسؤال :
هل يعجز النبي صلى الله عليه وسلم أن يُخبر أن في شهر ربيع الأول فضل , وأن الإكثار من الطاعات فيه أو تخصيصه ببعضها أو ببعض أيامه مطلب شرعي , فإن قلت لم يفعل توسعة على أمته فالجواب من أوجه .
الوجه الأول : هذه دعوى لا يقوم عليها دليل صحيح , فلعله ترك ذالك لسبب آخر ومع الإحتمال يسقط الإستدلال .
الوجه الثاني : أن الأمر إن كان على سبيل الإستحباب فلا مشقة فيه بدليل قوله صلى الله عليه وسلم (( لولا أن أشق على امتي لأمرتهم بالسواك )) وقد أمروا به على وجه الإستحباب إتفاقا فدل على أن الأمر الذي يلحق المشقة بالمكلف هو أمر الوجوب لا الإستحباب .
الوجه الثالث : لو كان الأمر كما ذكرتم لاحتفل به النبي صلى الله عليه وسلم مرة على الأقل وتركه مرات لبيان جواز الترك كما حثل معه في الإجتماع لصلاة التراويح , فالنبي الأعلم بالشرع والأحرص على الخير منا وكذالك حال أصحابه ولم يفعلوا ذالك اتفاقا .
الوجه الرابع : قد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم يوم الإثنين شكرا لله على نعمة مولده في هذا اليوم , والسؤال لماذا لم يصم النبي يوم الثاني عشر من ربيع الأول شكرا لله , ثم كيف فهم الصحابة صوم النبي هذا هل فهموا منه جواز تعديته لغيره أم اقتصروا حيث ورد النص .
أدلة المانعين ووجه إستدلالهم
أما المانعون من الإحتفال بمولده فاعتمدوا أساسا على قاعدتين :
القاعدة الأولى : وجود المقتضي وانتفاء المانع في عهد رسول الله وأصحابه والسلف الصالح من بعدهم ولم يفعلوا شيئا من ذالك . وبيان ذالك أن الأسباب التي ذكرها المجوزون من ذكر لنعم الله وشكر لها وتعريف بأيام الله وتذكير بها موجود في القرون الأولى , والموانع من الإحتفال بها منتفية ومع ذالك فلم يحتفلوا , فإما أن يوصفوا بالجهل إذ جهلوا فضل الإحتفال بهذا اليوم ولا قائل به , أو يوصفوا بالتقصير إذ علموا فضله ولم يحتفلوا به , ولا يعقل تواطؤهم جميعا على ترك فضيلة او مستحب , فلم يبق إلا وجه واحد وهو أنه لو كان مأمورا به وجوبا أو إستحبابا لسبقونا إليه .
وأيضا فعدم فعلهم دل على ان ما فهمه المجوزون من دلالة تلك الأدلة على مشروعية الإحتفال هو فهم خاطئ , فهم أولى بالفهم واستنباط مثل هذه الأحكام فهم أعرف بدلالات الألفاظ اللغوية والمقاصد الشرعية وفهم هو أولى الفهوم .
القاعدة الثانية : قاعدة تخصيص العبادات المطلقة في زمن ما إعتقادا أن لذالك الزمن فضلا ومزية على غيره , ولم يثبت أن لهذا الزمن فضل على غيره في تخصيصه بشيئ من العبادات بنص مخصوص , فهم لم يعتمدوا على مجرد الترك بل اعتمدوا على قرائن انضمت له فدلت الترك مع هذه القرائن أن ذالك الفعل غير مطلوب في الشرع , وبذالك يبطل من ادعى ان قواعد الشرع تؤيد الإحتفال بل قواعده تبطله .
تلخيص سبب الخلاف بين الفريقين
المتأمل في المسألة يدرك أن الإختلاف فيها يعود أساسا لركيزتين .
الأولى تحقيق معنى البدعة وهل تنقسم إلى بدعة محمودة ومذمومة وما حقيقتهما .
والثاني البدعة الإضافية وما يتفرع عنها من تقييد العبادات المطلقة .
فالذي يكن قوله أن تخصيص يوم مولده بعبادة من العبادات لا شك أنه بدعة منكرة , وأيضا إذا اعتقد أن لهذا اليوم فضل من حيث البركة أو زيادة الثواب فيه فبدعة أيضا إستنادا لقاعدة البدع الإضافية , ذالك أن أدلة المجيزات عمومات في إظهار الفرح وشكر الله عز وجل فتقييدها بزمان ما إستدراك على الشرع . وأقوى ما يؤيد هذا المسلك عدم فعل النبي ولا أصحابه وكذا لم يفعله أحد من القرون الثلاثة المفضلة .
وتبقى مسألة تذكير الناس في هذا اليوم بشيئ من سيرة النبي وشمائله دون مظاهر أخرى للإحتفال فهذه الصورة تحتاج لتأمل أكثر والخلاف فيها خلاف معتبر , وقد كانت الشيخ ابن باديس وجمعية العلماء المسلمين تحتفل بهذه الطريقة . والله أعلم
![]() |
| تأصيل مسألة الإحتفال بالمولد النبوي |
1 . الإعلام بفتوى أئمة الإسلام حول مولده محمد بن علوي المالكي الحسني
2 . الأدلة الشرعية في جواز الإحتفال بميلاد خير البرية عز الديم حسين الشيخ
3 . البيان النبوي عن فضل الإحتفال بمولد النبوي محمد أحمد الزين
4 . المولد النبوي بين المجيزين والمانعين عبد الفتاح قديش اليافعي
5 . المدخل ابن الحاج المالكي
6 . حست المقصد في عمل المولد ضمن الحاوي للفتاوي جلال الدين السيوطي
7 . الفتاوي الحديثية محمد بن عبد الرحمن السخاوي
8 . مجموع الفتاوي عبد الحليم ابن تيمية
آثار الشيخ البشير الإبراهيمي
آثار الشيخ ابن باديس

