recent
أخبار ساخنة

حديث من رأى منكم منكرا رؤية تأصيلية فقهية

 

حديث من رأى منكم منكرا رؤية تأصيلية فقهية


حديث من رأى منكم منكرا فليغيره حديث صحيح أخرجه الإمام مسلم في صحيحه , من رواية أبي سعيد الخدري ونظرتنا إليه ستكون نظرة تأصيلية فقهية . نذكر بعض الأحكام الفقهية التي تختص يهذا الحديث موضحين وجه الإستدلال ذاكرين القاعدة الأصولية المعتمدة .
حديث من رأى منكم منكرا رؤية تأصيلية فقهية
حديث من رأى منكم منكرا رؤية تأصيلية فقهية
سبب تحديث أبي سعيد بهذا الحديث أن مروان بن الحكم والي المدينة بدأ خطبة العيد قبل صلاتها , فأنكر عليه رجل من الحاضرين إذ المتقرر شرعا أن صلاة العيد تكون قبل الخطبة , فأخبر أبو سعيد من حوله أن هذا الرجل قد أدى واجبه في الإنكار . وقد روى البخاري أن أبا سعيد هو الذي أنكر هذا على مروان , ووجه النووي اختلاف الروايتين انهما قد تكونا واقعتين مختلفتين .
أَوَّلُ مَن بَدَأَ بالخُطْبَةِ يَومَ العِيدِ قَبْلَ الصَّلاةِ مَرْوانُ. فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ، فقالَ: الصَّلاةُ قَبْلَ الخُطْبَةِ، فقالَ: قدْ تُرِكَ ما هُنالِكَ، فقالَ أبو سَعِيدٍ: أمَّا هذا فقَدْ قَضَى ما عليه سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: مَن رَأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلكَ أضْعَفُ الإيمانِ. صحيح مسلم

معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


تدور معاني كلمة المعروف في اللغة على كل ما تعارف عليه الناس ولم ينكروه , فهو كل ما تدركه العقول السليمة حسنه أو تتوقف فيه فيبين الشرع قبحه . وأما المنكر فهو عكس المعروف , فهو القبيح سواء أدركه العقل السليم أو الشرع الصحيح , ولا يمكن أن يتعارض عقل السليم مع شرع صحيح .

والعلاقة بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علاقة تلازمية , فالنهي عن المنكر داخل في الأمر بالمعروف فترك القبيح معروف , وكذالك الأمر بالمعروف داخل في النهي عن المنكر إذ ترك الحسن قبيح . وعلى هذا إذا قرن الشرع بينهما فيفسر الأمر بالمعروف على أنه أمر بالحسن , ويفسر النهي عن المنكر على أنه نهي عن القبيح , وأما إذا ذكر أحدهما مفردا ولم يذكر معه الآخر فيدخل فيه تبعا كما في حديثنا هذا .

وفي الشرع كثيرا ما يقرن الله عز وجل بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نص واحد , فهما في صراع مستمر داخل المجتمع , وقد جعل الله عز وجل من أساسيات خيرية هذه الأمة ثلاثة أسس وهي الإيمان بالله , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

حكم تغيير المنكر


إذا تأملت نصوص الشريعة واستقرأت جزئياتها فلا شك أنك ستدرك أن من كلياتها طلب تغيير المنكر , فهو معنى كلي يبلغ درجة التواتر المعنوي , فهو من أعظم كليات الشريعة ومقاصدها .
ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
القرآن يوجه الأمة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أما عن حكم تغيير المنكر فالأصل فيه الوجوب على مجموع الأمة كفاية وهو الأصل , وقد دلت بعض نصوص القرآن أنه يجب أن تكون في الأمة جماعة متصدية لهذا الفعل , ومع هذا فإنه قد يجب وجوبا عينيا على كل مكلف رأى منكرا لدلالة هذا الحديث وسيأتي بيان ذالك .

شرح الحديث وبيان ما فيه من الفوائد 


قوله في الحديث (( من )) شرطية وهي من ألفاظ العموم فالأصل فيها البقاء على العموم ما لم يأتي مخصص , فالأصل وجوب النهي عن المنكر على كل فرد من أفراد المجتمع . وبذالك فهو لا يختص بأصحاب الولايات والمسؤوليات , فليس خاصا بالحكام والولاة والأمراء , ولا يشترط أيضا أن يكون الآمر أو الناهي ممتثلا كاملا في حاله , بل حتى وإن كان فاعلا لهذا المنكر بعيه فإنه يجب عليه أمرين , الأول الكف عنه والثاني نهي غيره عن الوقوع فيه .

قوله (( رأى )) بمعنى شهد المنكر بعينه أو علمه , وهذا شرط في الوجوب العيني لتغيير المنكر , فقد علق الأمر على شرط وهو العلم بوجود المنكر . ويمكن القول أيضا أن من شرط وجوبه العلم بأن هذا الفعل منكرا , فالجاهل به كالذي لم يحضر وقوعه ففي قوله ( رأى ) تخصيص للعموم المستفاد من كلمة ( من ) , وبذالك فقد خرج عن الوجوب من لم يشهد المنكر والجاهل بحقيقته .

قوله (( فليغيره )) فعل مضارع مقرون بلام الأمر وهذه الصيغة من صيغ الوجوب , ومنه أخذ القول بالوجوب على كل من شهد المنكر كما مر من تفصيل , والمقصود بتغييره إزالته إن كان واقعا أو منع وقوعه ابتداء . وأما المنكر المأمور بتغييره , فالمنكر المجمع عليه أو ما كان منصوصا عليه , وأما ما اختلف في تحريم فعله وعدم تحريمه فإن كان الخلاف فيه ضعيفا أو شاذا فيغير , وإن كان الخلاف معتبرا عند أهل العلم فقد قال النووي يندب نصحه للخروج من الخلاف فحسب .

مراتب تغيير المنكر


هذا الحديث يذكرا أصولا لما يتم التغيير به ومراتبها , فرتب اليد ثم اللسان ثم القلب ترتيبا على حسب قوة التأثير في إزالة المنكر ومنعه , فالمرتبة الأولى من مراتب التغيير هو التغيير باليد وهو عزيمة لا ينتقل لغيرها حتى يعجز عن هذه الوسيلة . ولا يقصد التغيير باليد خصوص الجارحة المعروفة , بل يدخل في ذالك كل الإمكانيات المتوفرة سواء كانت مادية أوبدنية أو مالية . وقد ذهب الشيخ فريد الأنصاري مذهبا آخر فاعتبر المراتب متداخلة وليست منفصلة كما هو قول غالب العلماء .

فعند الشيخ التغيير باليد لا يقصد منه ممارسة العنف , إذ اليد تطلق في اللغة ويراد منها التأكيد , وجعل سياق الحديث دليلا على ما ذهب إليه , المراد باليد هنا هو الحركة تماما كما هو المراد من قوله (( أو بلسانه )) وحركة اللسان هي الكلام , وليس المقصود منها استعمال جارحة اللسان , كذالك التغيير باليد هو كل حركة بدنية أو مالية أو غيرها فالتغيير عنده باليد يشمل أيضا التغيير باللسان والتغيير بالقلب . وعلى هذا فالإنتقال عنده من مرتبة لأخرى هو إنتقال من الكل إلى الجزء , فالعمل باللسان جزء من العمل باليد بناء على ما سبق في معنى التغيير باليد .

قوله (( فبلسانه )) والتغيير باللسان يكون بالنصيحة والخطابة والموعظة والفتوى والمقالة وغيرها . وحقيقة إنكار المنكر بالقلب عدم الرضا به وبغضه , ويلزم منه عدم حضور مجالسه , وهذا أقل المراتب وهو دليل على حيوية القلب وأم الراضي والجالس مع أهل المنكرات فقلبه ميت .

فمما ينبغي التنبه له أن التغيير بالقلب هو فعل وليس سكوتا , لأن السكوت على المنكر غير جائز , والفرق بينه وبين سابقيه أن التغيير القلبي تغيير باطني , فلما يعجز الإنسان عن تغيير المنكر فإنه مهدد بفعله . فرؤية المنكر مع عدم تغييره تؤدي إلى التأثر به جزئيا , فالتعود على رؤية الأشياء مع تكرارها تحدث في القلب اعتيادا وتأثرا , فالواجب عند العجز مقاومة المنكر ذاتيا أي داخليا كي لا يعتادها قلب المرء .

القائم في عملية التغيير يكون قد ناب عن عموم الأمة في وجوب تغييره , فإن شهدت جماعة المنكر تعلق الوجوب بكل واحد منها كل على حسب قدرته , فإن حصل التغيير من شخص سقط الوجوب عنهم .

ينبغي التنبيه إلى ان واجب تغيير المنكر لا تدخله رخصة الإسقاط أبدا , وإنما الترخيص فيه يكون من حيث وسائله المستعملة في التغيير , فواجب التغيير باليد يسقط مع عدم الإستطاعة وهكذا , وليس في هذا الحديث كما قد يفهم البعض توزيع للأدوار في تغيير المنكر فقد جعلوا ان تغييره باليد خاص بذي سلطان وهكذا . فليس للمرء أن يغير المنكر بما يشاء من الوسائل الثلاثة المذكورة اليد أو اللسان أو القلب , فإن الإنتقال من مرتبة لأخرى مشروطة بعدم الإستطاعة , وعدم الإستطاعة لا يكون إلا بالتأكد الفعلي لا بمجرد التوهم . ومن ضوابط تغيير المنكر أن لا يخلفه منكر أكبر منه إذ لا تدفع مفسدة بمفسدة أعلى منها .
google-playkhamsatmostaqltradent