recent
أخبار ساخنة

الغناء والموسيقى بين الإباحة والحظر دراسة فقهية تأصيلية

 

الغناء والموسيقى بين الإباحة والحظر دراسة فقهية تأصيلية


الغناء والموسيقى من مسائل الفقه التي كثر النزاع فيها قديما وحديثا , فطائفة قد جنحت للإباحة فيهما وطائفة قد جنحت للحظر , ولكل فريق مأخذه في الإستدلال وسنبين ذالك مع إجلاء الغموض وبيان الصحيح فيها .
الغناء والموسيقى بين الإباحة والحظر دراسة فقهية تأصيلية
الغناء والموسيقى بين الحظر والإباحة دراسة فقهية تأصيلية
إعلم أخي رعاك الله أن العبرة في الأحكام الشرعية بالمعاني لا الألفاظ والتسميات , فقد ظهرت تسميات أخرى في عرف الشرع والعلماء تندرج تحت حكم الغناء , إذ كل كلام ملحون يسمى غناء بغض النظر عما يحويه من كلمات دينية أم غير دينية . وبذالك فحكم الأناشيد الدينية لا تخرج عن هذه المسألة فهي مرتبطة بحكم الغناء والموسيقى . ولتوضيح المسألة أكثر سنقوم بتقسيم الموضوع لقسمين الأول سيكون عن حكم الغناء مجردا والثاني عن حكم الموسيقى .

القسم الأول حكم الغناء الذي لم تصاحبه موسيقى 


وهذا النوع ما كان كلاما أو شعرا ملحَّنا بألحان غير مصحوبة بأي آلة لا بدف ولا بغيره , فالمحرم منه إجماعا ما صاحبه منكر أو دعا إليه أو لم يؤمن منه فتنة , فإن خلا مما سبق فهو على نوعين .

النوع الأول : وهو الذي يستعمله الناس في الغالب عند تأدية عمل ما ترويحا عن النفس أو تخفيفا عنها من وعثاء سفر , ومثله غناء النساء كي يَسْكُنَ صغارهن , وهذا النوع ليس فيه إفسادا لأوزان الأشعار ولا قصدا للطرب واللهو من سماعه , قد نقل ابن عبد البر الإتفاق على إباحته , وهو الذي تغنى به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض المناسبات كحفر الخندق وبناء المسجد وغير ذالك , وقال بعض العلماء أنه قد يستحب إن دعا لطاعة الله أو نشط لفعل خير أو ما كان من الأشعار المزهدة في الدنيا .

النوع الثاني : وهو الغناء الملحون بألحان متنقة أنيقة تُطرِب النفوس بسماعها وتتأثر بها فهو خارج عن الوجه المعتاد , وهذا الذي وقع فيه خلاف بين العلماء فمنهم من حرمه وقد سئل مالك عنه فقال ( إنما يفعله عندنا الفساق ) فمذهبه كما ذكر ابن خويز منداد تحريمه , وعند الشافعي أنه مكروه تُرَدُّ شهادة من أكثر منه , وذهب ابن العربي من المالكية إلى كراهته وقال ليس في الكتاب ولا السنة دليل على تحريمه . ودليل من حرم هذا النوع نصوص من الكتاب والسنة وآثار عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأما من الكتاب فقد قال تعالى : 
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ  وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّه 
فكثير من السلف فسر الصوت في الآية الأولى بالغناء , وأما الآية الثانية فقد فسر غير واحد من السلف وأصحاب رسول الله لهو الحديث فيها بالغناء , واختار ابن جرير في تفسيره أن كل آية منهما عامة في كل صوت يصد عن طاعة الله عز وجل , فعلى قوله لا يدخل كل غناء فيها إلا ما كان سببا للصد عن طاعة الله . 
وأقوى أدلة من حرم هذا النوع فهو حديث عائشة رضي الله عنها وفيه :
أنَّ أبَا بَكْرٍ، دَخَلَ عَلَيْهَا والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عِنْدَهَا يَومَ فِطْرٍ أوْ أضْحًى، وعِنْدَهَا قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِ بما تَقَاذَفَتِ الأنْصَارُ يَومَ بُعَاثٍ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ؟ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : دَعْهُما يا أبَا بَكْرٍ، إنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وإنَّ عِيدَنَا هذا اليَوْمُ 
ووجه الإستدلال عندهم أن أبى بكر شبه صوت غناء الجاريتين بصوت مزمار الشيطان فقد انكر كثرة التطريب في غنائها كما قال ابن عبد البر وابن بطال , ووجه آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سمح لهما لكونهما في يوم عيد مما دل على أنه في غير العيد فيحرم , ووجه ثالث أن أبا بكر أطلق وصف مزمار الشيطان على هذا النوع وقد أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال النووي إنما انكر أبو بكر ذالك لأن مجالس أهل الفضل والصلاح ينبغي أن تُنَزَّه عن اللغو , ثم قال وقد سكت النبي عن الجاريتين لأنه مباح لهما , وقد ذكر ابن العربي أن الغناء من هذا النوع أصل حكمه الكراهة إذ لو كان حراما ما كان في بيت رسول الله ثم قال أنه يباح لمثل هذه المناسبات .

القسم الثاني حكم آلات الموسيقى بكل انواعها 


جمهور العلماء سلفا وخلفا من أئمة المذاهب الأربعة يقررون أن آلات الموسيقى ( المعازف ) محرمة بكل أنواعها دفا كان أو غيرَه , وهو المنقول عن الأئمة الأربعة , ونقل الإجماع غير واحد من اهل العلم على تحريمها عن كثير من الأئمة سلفا وخلفا , وممن نَقَل الإجماع الطبري والنووي وابن تيمية وابن القيم وغيرهم .

وذهب بعض العلماء إلى جواز إستعمال آلات اللهو على رأسهم ابن حزم الظاهري فقد إشتهر عنه هذا القول , وممن ذهب للجواز الغزالي صاحب الإحياء وبعض من المعاصرين .

أما الإمام الشوكاني فقد أنكر دعوى الإجماع على تحريم المعازف في رسالته (( إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع )) , ونقل كلاما عن السلف والصحابه وغالبه لا يصح عنهم وما صح في مواطن فهو مستثنى بحسب المواطن التي صح فيها كما سنبينه , ولم يصرح الشوكانس بمذهبه في المسألة وخلص أنه في أقل أحوالها أنها من مواطن الإشتباه التي ينبغي الإبتعاد عنها .

أدلة التحريم ووجه الإستدلال 


سنتحدث عن أدلة المحرمين لجملة من الأسباب منها : 
  • أن الأصل في الأشياء الإباحة فالذي يطالب بالدليل من حرم المعازف وليس من أباحها . 
  • طبيعة أدلة المبيحين فهي إما أن تكون قضايا أعيان لا عموم لها , أو تصلح أن تكون مخصِّصَة لعمومات أدلة المحرمين . 
أما من ذهب للتحريم فاستدل بجملة من الأدلة من الكتاب والسنة على تحريم آلات الموسيقى , وأقوى هذه الأدلة حديث البخاري الذي رواه عن شيخه هشام بن عمار معلقا أي لم يقل حدثنا هشام بن عمار أو عن هشام بن عمار , بل قال (( وقال هشام بن عمار )) ثم ذكر إسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم . 
حديث البخاري في المعازف
حديث المعازف في البخاري
وسنقف مع هذا الحديث وقفات من حيث الإعتراض على صحته سندا , ثم الإعتراض على دلالته متنا ونذكر ما في ذالك من خلل .

الوقفة الأولى الإعتراض على سند الحديث 


قد وُجِّه لسند الحديث طعنات نورد اهمها , فأول من طعن فيه هو ابن حزم الظاهري فذكر أن الحديث منقطع بين البخاري وشيخه هشام بن عمار والمنقطع نوع من الضعيف فحكم عليه بالضعف . وللحديث عن هذه النقطة ينبغي الحديث عن جزئيتين .

الجزئية الأولى : وهي هل الحديث متصل بين البخاري وشيخه عمار , لقد إختلف علماء الحديث في الموقف من معلقات البخاري عن شيوخه , ففريق منهم كابن الصلاح وابن تيمية وابن القيم وابن رجب وغيرهم فقد قالوا أن البخاري إذا روى عن أحد شيوخه الذين سمع منهم بصيغة من صيغ الجزم كقال فهي محمولة على الإتصال والسماع من شيخه لأن البخاري ليس مدلسا . 

وقال بعضهم هذا لا يدل على السماع من شيخه بل غاية ما يدل أن البخاري قد جزم بصحة السند إلى شيخه فأورد الرواية عنه بصيغة الجزم , ومع هذا فإن لم يُسَلِّم المعترض بهذا الكلام وادعى أنها غير محمولة لا على السماع ولا على الإتصال إلا بدليل بيِّن كما هو قول بن منده والمهلب والباجي وابن القطان والمزي , فالكلام عن الحديث سيكون في جزئية ثانية .

الجزئية الثانية : وهي هل ورد الحديث في روايات أخرى غير ما في البخاري متصلا بسند صحيح إلى هشام بن عمار , والجواب أنه قد رويت روايات بأسانيد متصلة صحيحة السند إلى هشام بن عمار قد ساق ابن حجر في تغليق التعليق منها تسعة كل رواتها حفاظ أثبات , فلا يلزم من كون الحديث عند البخاري معلقا عدم صحته فقد صح عند غيره .

أما الطعن الثاني فهو الطعن في بعض رجال الحديث , فقد طعن بعضهم في صدقة بن خالد وهشام ابن عمار , وأما صدقة ابن خالد فهو ثقة عند الجميع فلا يصح فيه طعن , وأما هشام بن عمار فقالوا أنه اختلط وتغير آخر عمره وجواب هذا من وجوه .

  • الوجه الأول : أن الحافظ الذهبي قد ذكر أن العمل على توثيق هشام بن عمار .
  • الوجه الثاني : أحاديث هشام بن عمار قد نظر فيها ابن معين وأبو عبيد القاسم بن سلام , ولم يضعف ابن معين منها سوى حديثا واحدا هو حديث سعيد بن سويد وحديث المعازف ليس من روايته . وأيضا جَزْمُ البخاري بأن هشاما قد قال هذا الحديث دليل أنه قد قاله قبل أن يتغير .
  • الوجه الثالث : أن الحديث قد جاء من طريق آخرى صحيحة السند من غير طريق هشام بن عمار كما في هذا التشجير لبعض طرق الحديث .
إسناد حديث المعازف
إسناد حديث المعازف 

الوقفة الثانية الإعتراض على دلالة الحديث 


إستدل العلماء بهذا الحديث على تحريم الموسيقى ووجه الدلالة عندهم أن المعازف هي آلات اللهو بجميع أصنافها , وقد قرنت مع الخمر في الذم فدل أن لهما نفس الحكم والله عز وجل لا يقرن في الذم بين مباح ومحرم , فكيف يربط رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مباح واحد وثلاث محرمات قطعية فيذمها جميعا .

وأيضا فقوله يستحلون يحتمل معنيين الأول أي يعتقدون أنها حلال بأنواع من التأويلات الفاسدة كأن يسمونها بغير إسمها , وهذا يعني أن أصلها الحرمة , والمعنى الثاني أي أنهم يسترسلون في فعلها وكأنها مباحة فقد أخذوها مأخذ المباح وهي ليست كذالك , وعلى هذا فإن أصل حكمها الحرمة على كلا المعنيين .

واعترض المبيحون على هذا الإستدلال فقالوا إن إقتران المعازف مع الخمر لا يدل على تحريمها , ذالك أن دلالة الإقتران ضعيفة . وهذه شبهة واهية لأن دلالة الإقتران على نوعين , إقتران بين الجمل وهي ضعيفة عند الأصوليين واقتران بين المفردات وهي حجة قوية عندهم بالإتفاق , وقد صرح بذالك الزركشي والشوكاني والقرافي , والإقتران هنا قد وقع بين المفردات فدل أن لهذه المفردات نفس الحكم .

وبهذا يعلم فساد قول من ادعى ان المحرم هي الخمور , وأما ذكر المعازف معها فلبيان حالهم فقط , وحينها يقال هذا التأويل باطل إذ الأصل في المفردات المعطوفة أن تشترك في نفس الحكم , ولو تركت دلالات النصوص لمثل هذه الأوهام والإحتمالات ما سلم نص منها إلا ما ندر .

والشبهة الأخرى حول دلالة كلمة المعازف فقالوا لفظ المعازف لها معان عدة فهي من الألفاظ المشتركة المجملة فلا يحتج بها , وقد رد العلماء على هذه الشبهة فقالوا بل المعازف في لغة العرب معناها واحد , وهي الآلات الموسيقية بكل انواعها من دف ومزمار وغيرها كما صرح ابن القيم .

 والخلاف الواقع بين أهل اللغة قد وقع حول لفظ عازف ولفظ عزف , فهذه هي المشتركة بين عدة معان ولو سُلِّم بأن المعازف لفظ مشترك فالجمهور من الأصوليين يحملون المشترك على جميع معانيه إن لم تكن متضادة , فتحمل هذا اللفظ على جميع معانيه ومنها آلات الموسيقى ثم نستثني من هذا العموم ما استثناه الشارع كالدف في النكاح .

ومن عجيب أمر المبيحين أنهم ضعفوا حديث البخاري سندا ومتنا واستدلوا بأحاديث هي أضعف منه سندا ومتنا , وبعض ما يستدلون به قد ورد في مناسبات خاصة كالضرب بالدف في العرس , ثم عمموها على غيرها وكان الواجب أن يبقى حديث البخاري على عمومه في تحريم جميع الآلات في كل المناسبات , ثم يخصص منه ما خصصه الشرع من نوع معين من الآلات وفي مناسبات معينة إستثناها الشرع .

الحكمة من تحريم الموسيقى والغناء 


يحرم الإسلام الخبائث كلها كما يبيح الطيبات إلا أن الإسلام قد جعل ضوابط لتمييز الخبائث عن غيرها , فلم يدع تصنيفها لهوى الإنسان يعبث فيها كما يشاء , ثم أن الإنسان قد لا يدرك مفاسد كثير من الأشياء خاصة إذا كان ضررها معنوي وليس ماديا ظاهريا , والخبائث في الإسلام ليست مادية فحسب بل قد تكون خبائث نفسانية أي لها تأثير نفسي سيئ على الإنسان أو على دينه .

وليس معنى التأثير السيئ ما يفهم من وجود أحزان أو إضطرابات نفسية فحسب بل هو أعم من ذالك , فيشمل ما يؤثر على النفس بإدخالها في عالم من الهم والحزن والإضطراب , ويشمل أيضا ما يغير حالها من نفس نقية صافية مقبلة على الخير إلى نفس معرضة مقبلة على الشر والمعصية أو متكاسلة عن أداء حق الرب أو سماع كلامه , ومن ذالك الغناء والموسيقى فإن لهما تأثير عظيم على إبعاد النفس عن الطاعة وتشويقها لسماع القرآن وتلاوته .

ومن هنا سماه من سماه بقرآن الشيطان ومزماره وإنه ليدرك هذا جيدا صاحب التجربة فإن كثيرا منا إذا أقبل على القرآن أياما ثم استمع الغناء أو أي آلات موسيقية متلذذا بها شعر أن قلبه قد تغير , ثم لاحظ أنه يستثقل سماع القرآن أو قراءته ويجد حاجزا بينه وبين طاعة الرحمان وتذهب حينها لذة الطاعة وحلاوة الإيمان .

فتوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين في 

حكم الغناء والموسيقى في المذاهب الأربعة 

المراجع
  • فرح الأسماع برخص السماع           ابن زغدان المالكي 
  • كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع         ابن حجر الهيثمي 
  • شرح صحيح البخاري             ابن بطال 
  • التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد       ابن عبد البر 
  • فتح الباري بشرح صحيح البخاري       ابن رجب 
  • فتح الباري في شرح صحيح البخاري       ابن حجر 
  • تغليق التعليق       ابن حجر 
  • صحيح            ابن حبان 
  • المعجم الكبير           الطبراني 
  • أحكام القرآن               ابن العربي 
  • تفسير ابن جرير الطبري 
  • تفسير القرطبي 
  • الرد على القرضاوي والجديع           عبد الله رمضان بن موسى 
  • إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع               الشوكاني 
  • البحر المحيط في أصول الفقه             بدر الدين الزركشي
google-playkhamsatmostaqltradent