الإرجاء مفهومه أصوله مذاهبه
الإرجاء في اللغة التأخير ومنه أخذ إسم المرجئة . وهذه الجماعة ظهرت زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن إرجاءهم تطور حسب الزمن واستقر على ما هم عليه اليوم , وأصبحت لهم أصول وأقوال ومذهب متفرقة .
بذور الإرجاء الأولى
كانت بذور الإرجاء الأولى زمن الفتنة التي وقعت بين الصحابة رضوان الله عليهم , وعرف يومئذ بتسمية تلك الطائفة بالمرجئة الأولى أو مرجئة الخوارج , وهذه الطائفة كان إرجاءها في الحكم على الصحابة ولم يكن في الإيمان والكفر . فلا يتبرؤون منهم ولا يوالونهم جميعا مع أن الشرع قد جاء بذكر فضل علي ومن معه من أصحاب رسول الله كما جاء بذكر فضل معاوية ومن معه . وأمر الشرع بموالاتهم جميعا فكان موقفهم من الصحابة بدعة إبتدعوها .
فهذه طائفة كانت من بذوره الأولى , وطائفة أخرى كانت ضمن إطار الفكر الخارجي فبعد أن كفروا عليا , أخذ مذهبهم بعد مدة في الإنقسام فتحصلت منه ثلاث طوائف . الأولى بقيت على غلوها والثانية تساهلت في أفكارهم نوعا ما والثالثة أخذت الفكر المحايد ومنها ظهر الإرجاء . وقد ذكر ابن جرير فيما نقله عن ابن عيينه أنه قال
(( الْإِرْجَاءُ عَلَى وَجْهَيْنِ: قَوْمٌ أَرْجَوْا أَمْرَ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ ، فَقَدْ مَضَى أُولَئِكَ ، فَأَمَّا الْمُرْجِئَةُ الْيَوْمَ فَهُمْ قَوْمٌ يَقُولُونَ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ بِلَا عَمِلٍ )) تهذيب الآثار ج 2 ص 659
فالإرجاء في بداية أمره كان في الموقف من الصحابة المختلفين زمن الفتنة , فلا يشهدون لهم بإيمان ولا بكفر , ولا يشهدون لهم بجنة ولا بنار ويرجئون أمرهم إلى الله عز وجل , وكان أشهر هؤلاء القاضي محارب بن ديثار .
وأما أول من كتب حول هذا النوع من الإرجاء هو الحسن بن محمد بن الحنفية من آل البيت . فكانت رسالته تلك أول رسالة نبت منها الإرجاء . غير أن الرجل لم يكن يقصد تأسيس مذهب عقديا فسرعان ما عاد عن كلامه . وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن إرجاء الحسن كان في الحكم بين المقتتليين بالخطإ والصواب وليس بالإيمان والكفر . إلا أن الذي يلام عليه أنه قد قال لا نوالي عليا وعثمانا ولا نعاديهما .
ثم استمر الجدل دخل الفكر الخارجي حول مرتكب الكبيرة حتى تناست طوئفهم الأشخاص , وأصبح جدلهم حول مرتكب الكبيرة حتى تحولت هذه الطائفة إلى الفكر المناقض مناقضة تامة لفكر الخوارج .
تحول الإرجاء إلى الموقف من الإيمان
كانت بذور الإرجاء الأولى كما مر بعد فتنة صفين وما وقع بين الصحابة , لكن المجادلات تأخرت حتى وقعت الفتنة والإضطراب , وأصبح لابن الزبير دولة وللخوارج دولة وللأمويين دولة أخرى . وكان ابن الأشعث أحد ولاة بني أمية معروفا بالعلم والصلاح . قام ابن الأشعث بدعوة الناس للخروج على الحجاج وخلعه وإقامة العدل بدل الظلم , فقام معه علماء وصلحاء لكن الحجاج غلبهم وحدثت فاجعة كبيرة . فقد قتل الكثير من العلماء على رأسهم الإمام المشهور سعيد بن جبير .
وفي هذه الظروف أظهرت المرجئة مذهبهم للعلن . فثار العلماء ضده لما علموا من خطر هذا الفكر فحذروا منه تحذيرا شديدا . وفي هذه المرحلة كان الإرجاء المنتشر هو إرجاء الفقهاء . ولم يتأثر بالفلسلفة والكلام ليصل إلى طوره النهائي . قال قتادة
" إِنَّمَا أُحْدِثَ الْإِرْجَاءُ بَعْدَ هَزِيمَةِ ابْنِ الْأَشْعَثَ " "السنة" لعبد الله بن أحمد (1/ 319)
ثم استقر في مصطلح أهل السنة أن الإرجاء هو إخراج العمل عن الإيمان , وقد مر نقل كلام ابن عيينة أن الطائفة الأولى من الخوارج انقضت وبقيت النوع الثاني والذي يتعلق بالإيمان . وبذالك فإن كل طائفة اخرجت العمل عن مسمى الإيمان فهي من طوائف المرجئة , وقد ذكر منهم الشهرستاني مرجئة الخوارج ومرجئة القدرية ومرجئة الجبرية , والصنف الرابع المرجئة الخالصة . وعد منهم ابن جزم الجهمية والأشاعرة . ومن فرقهم أيضا الكرامية .
قول مرجئة الفقهاء ومرجئة الجهمية .
ظهرت أول طائفة من الإرجاء المتعلق بالإيمان بعد فتنة ابن الأشعث , وكان من أكبرهم وأشهرهم عباد وصالحون كذر بن عبد الله الهمذاني , وحماد ابن ابي سليمان شيخ أبو حنيفة , ومما ينسب لهذه الطائفة أبو حنيفة رحمه الله وهؤلاء قالوا الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب فأخرجوا العمل من الإيمان وقالوا هي أعمال بر وتقوى مع اعتقادهم أن الآثم مستحق للعقاب وهو تحت المشيئة . والتسمية المشهورة لمذهب هؤلاء مرجئة الفقهاء , وقد انكر السلف عليهم إنكارا شديدا .
وأما آراء الجهمية التي أحدثها جهم بن صفوان . فقد قالوا الإيمان هو المعرفة فقط فلا يشترط قول ولا عمل فيه , فمن عرف ربه فهو مؤمن كامل الإيمان , ولم ينتشر مذهب جهم إلا بعد أن تبناه المتكلمون على رأسهم بشر المريسي ثم ابن كلاب ثم الأشعري والماتريدي وهما من نشراه مع بعض التعديل كما سيأتي .
والأصل الذي ينطلق منه هؤلاء جميعا أن الإيمان شئ واحد لا يزيد ولا ينقص . ولا يمكن أن تجتمع خصلة من نفاق وخصلة من إيمان في قلب واحد , وعلى هذا الأصل الذي لا مستند له من قول السلف قال الخوارج مرتكب الكبير كافر لزوال إيمانه بارتكابها فهم قد أدخلوا العمل في الإيمان . وقالت المرجئة هو مؤمن والإيمان محله القلب وهو التصديق أو المعرفة , فقد أخرجوا العمل من الإيمان على أساس أن الإيمان لا يتفاضل ومن هؤلاء من أضاف له القول .
الإرجاء في آخر مراحله
لقد ظل مذهب مرجئة الفقهاء باقيا على أصوله ولم يتحول إلا في القرن الرابع هجري إلى مذهب كلامي . فلقد برز رجل حنفي هو أبو منصور الماتردي وحول هذا المذهب إلى ظاهرة كلامبة والتصق الحنفية بالأشعرية , فصارت الخلافات بينهم يسيرة .
لقد تحولت ظاهرة الإرجاء في طورها النهائي لتتكون من مذهبين كبيرين مذهب الماتريدية ومذهب الأشاعرة , وكان لعلم الكلام دور بارز في هذا التحول . وقد التزم هؤلاء بمذهب توفيقي بين المتكلمين والنصوص الشرعية , فأفرز هذه المعتقدات وغيرها , فهم قد حاولوا التوفيق بين الجهمية والقدرية والفلاسفة ومذهب أهل السنة . فالأشاعرة والماتريدية ظهروا بين طائفتين :
- الأولى : وهم جمهور الأمة من أهل السنة القائلين أن الإيمان قول وعمل , ومرجئة الفقهاء الذين يدخلون في الإيمان أعمال القلوب كالرضا واليقين والصدق وأخرجوا أعمال الجوارح ولم يقولوا بزيادته ونقصانه .
- الثانية : غلاة المرجئة من اتباع الجهمية الذين قالوا إن الإيمان مجرد معرفة قلبية وهذه المعرفة كافية في الحكم بإيمان العبد ونجاته .
فأخذ أصحاب المنهج التوفيقي من الجهمية أن الإيمان محله القلب وأنه لا يكون إلا كاملا فهو لا يتفاضل . ثم جعلوا النطق بالشهادتين شرط لإجراء الأحكام الشرعية الدنيوية فحسب , ثم جعلوا المكفرات التي ذكرها أهلها السنة في باب الفقه ما هي إلا علامات لعدم التصديق الباطني فهي ليست مكفرات لذاتها بل هي أدلته لانتفاء التصديق القلبي .
سبب قول الأشاعرة والماتريدية بالإرجاء
إن جنوح هؤلاء لهذا الكلام يرجع لأسباب عديدة كان لها التأثير السلبي على موقفهم هذا , وأبرز المأثرات المنطق اليوناني . فالسلف لما قالوا الإيمان قول وعمل لم يكن هدفهم تعريف الإيمان التعريف المنطقي المعروف في المنطق بل غايتهم من كلامهم بيان حقيقته الشرعية فقط . ولم يكن من شأنهم طريقة المتأخرين في التعاريف وشروطها .
لما جاء المتكلمون وأرادوا تعريف الإيمان من حيث هو في ذاته نظروا لمن يطلق عليهم لفظ الإيمان من أفراد الناس , ثم حاولوا إيجاد قدر مشترك فيهم ليعرفوا به الإيمان , فيكون هذا القدر المشترك هو صفة ذاتية تعبر عن ماهية الإيمان وحقيقته . فقرروا إثر ذالك ان المؤمنين في أصل الإيمان سواء وأنه لا يزيد ولا ينقص وكانت الأفراد التي تأملوا فيه واستخرجوا القدر المشترك هي :
- جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم ودليل إيمانهم الإجماع
- من أقر بالإيمان ولم يعمل شيئا كالجارية ففي الحديث (( إعتقها فإنها مؤمنة ))
- من صدق بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن بدلالة اللغة
فأخرجوا العمل لعدم وجوده في الطائفة الثالثة , ثم اختلفوا في القول هل هو وصف ذاتي لمحقيقة الإيمان أو لازم عرضي فهو موجود في الثانية ومفقود في الثالثة فاختلفوا في حكم النطق بالشهادتين هل هو شرط أم شطر من الإيمان . وعلى هذا الأساس جاءت تعريفاتهم للإيمان وأصبح على مذهبهم إيمان جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم كإيمان أفسق الناس لأن الإيمان هو التصديق ومع أحسن الأحوال زيادة النطق بالشهادتين وهذه لا تتفاضل .
ولو أن هؤلاء جعلوا الإيمان من قبيل المشكك وهو الذي تتساوى أفراده في الكلي . ويختلفون في قوته فنور الشمس ليس كنور المصباح وكلاهما نور فهؤلاء تصوروا حقيقة للإيمان مجردة موجودة في الذهن فقط غير موجودة في الخارج , وإلا فإن التصديق أيضا يتفاوة قوة وضعفا خارح الذهن وقد قال إبراهيم لربه لما سأله (( أو لم تؤمن )) فأجاب إبراهيم (( بلى ليطمئن قلبي )) .
وهكذا استقر الإرجاء في مذهب الأشاعرة والماتريدية وعرفوا الإيمان انه التصديق القلبي وأما نطق اللسان فهو إما شرط لإجراء أحكام الإسلام على القائل أو هي شطر منه فمحققوهم قد قالوا من أقر بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن عند الله كافر عندنا دنيويا .
المراجع
- ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي سفر الحوالي
- الإيمان بين السلف والمتكلمين احمد بن عطية الغامدي
- الملل والنحل أبو الفتح الشهرستاني
- الفصل في الملل والأهواء والنحل ابن حزم
- شرح كتاب الإيمان الشيخ الراجحي

