التأويل بين السلف والأشاعرة وفاق أم خلاف .
ترتكز عقيدة الأشاعرة في باب الصفات على التأويل والتفويض , وهم يَدَّعون أن السلف لهم السبق في إقرار الطريقتين . بينما ينكر السلفية هذه النسبة ويدعون أن عقيدتهم هي عقيدة الإثبات . فهل التأويل عند السلف هو نفسه عند الأشاعرة ؟ وهل هو ثابت عنهم ؟
![]() |
| التأويل في الصفات بين السلف والأشاعرة وفاق أم خلاف |
معنى التأويل لغة واصطلاحا
مدار مادة ( أَوَّلَ ) على الرجوع والإنتهاء , فآل إلى الشيئ أي عاد إليه وآل فلان أي من يرجع إليهم . فمعنى أول كلامه أي رجع به فبين مراد المتكلم , أو بين ما يؤول إليه كلامه أي ما ينتهي إليه هذا الكلام من معان .
وتفسير التأويل في اللغة بالرجوع هو معنى تقريبي , فأغلب ما يستعمل في الرجوع الذي يتضمن معنى الصيرورة . فتأويل الكلام إلى معنى محدد هو تَصْيِيرُهُ إلى ذالك المعنى الذي يقصده المتكلم من كلامه .
فتأويل اللفظ حمله على معنى غير ظاهر منه وهذا المعنى الجديد نسميه تأويلا , وقد نُسمي الحقيقة الموجودة في الخارج التي يعبر عنها ذالك اللفظ تأويلا . فمن الأول تأويل الصَّعود في قوله تعالى (( سأرهقه صَعُودًا )) بالجبل , فكلمة صعودا معاناها غير واضح فبيناه بمعنى جديد واضح هو الجبل . وعلى المعنى الثاني فإن الصعود هو نفس ذالك الجبل أي حقيقته الموجودة في الخارج , فتأويل الكلام على قسمين :
- الأول بيان مراد المتكلم : وهو بهذا يكون له نفس معنى التفسير الذي هو بيان الشيئ وإيضاحه . فالتأويل بهذا المعنى إظهار معنى الكلام بكلام آخر سواء وافق ظاهر اللفظ أو خالفه . ويعتبر ابن جرير هو أشهر من أطلق لفظ التأويل على التفسير , فتجده يقول في تفسيره (( القول في تأويل قوله تعالى )) .
- الثاني الشيئ الموجود في الواقع الذي يُعبِّر عنه الكلام : فإن كان الكلام خبرا فتأويله وقوع الخبر , كأن يقال جاء زيد فتأويله هو نفس مجيئ زيد . وأما إن كان أمرا أو نهيا فتأويله فعل المأمور أو ترك المنهي عنه .
المتأمل في القرآن يجد أن مادة ( فسر ) بجميع تصريفاتها لم تأتي فيه إلا في موضع واحد وهو قوله تعالى :
ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ، وأَحْسَنَ تَفْسِيراً
وأما مادة ( أول ) فقد وردت في القرآن سبع عشر مرة , ست عشر مرة كلها صريحة في إرادة الحقيقة الموجودة في الخارج , وهي حقيقة المعنى الذي يؤول إليه اللفظ , كقول سيدنا يوسف (( هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ )) وكقول الله تعالى (( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ )) أي يتحقق وقوعه يوم القيامة .
وبمثل هذا المعنى جاءت السنة النبوية ويشهد لذالك ما قالته عائشة في إكثاره صلى الله عليه وسلم من قول سبحانك اللهم ربنا وبحمدك في ركوعه وسجوده أنه (( يتأول القرآن )) , فهذا تطبيق عملي لأمر الله بالتسبيح والتحميد . وقد ورد في السنة التأويل بمعنى التفسير والفهم , فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من قوم قال فيهم (( يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ فَيَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ )) صحح الألباني .
وهكذا فإن التأويل عند السلف لم يخرج عن هاذين المعنيين , الأول التفسير الذي هو إظهار المراد من كلام المتكلم وافق ظاهره أم خالفه , والثاني حقيقة ما يؤول إليه الكلام حِسًا , والكلام قد يكون خبرا فتأويله وقوعه , وقد يكون أمرا فتأويله فعله ووقد يكون نهيا فتأويله تركه .
أما التأويل في اصطلاح المتأخرين والذي يقصده الأشاعرة هو صرف المعنى الظاهر من اللفظ إلى معنى غير ظاهر بدليل دل عليه , وهذا الإصطلاح الحادث أخص من المعنى الذي يقصده السلف , فعلى قول هؤلاء تفسير الكلام على المعنى الظاهر منه ليس تأويلا , أما السلف فالتأويل عندهم يشمل الأمرين سواء تفسير الكلام بمعنى يوافق الظاهر أو يخالفه .
يمكن تلخيص كل مر في نقاط هي :
- التأويل في القرآن الكريم ورد سبع عشر مرة في كل منها صريح في حقيقة الشيئ , ومرة واحدة ورد مطلقا في آية آل عمران وهو قوله (( وما يعلم تأويله إلا الله )) .
- التأويل عند السلف يشمل تفسير الكلام بمعناه الظاهر وبمعناه غير الظاهر .
- التأويل عند الأشاعرة وهو المقصود في أصول الفقه هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر .
تأويل السلف للصفات
عقيدة الأشاعرة في الصفات الخبرية أنها تُأول أو تُفوض , ويجعلون التفويض هو عقيدة السلف , ومع ذالك فهم يجيزون التأويل , ويعتمد الأشاعرة على أصلين في تجويز النصوص .
- الأول : أن ظواهر نصوص هذه الآيات توهم التشبيه , فيفهمون من ظواهرها تلك الظواهر الخاصة بالمخلوق .
- الثاني : دل السمع والعقل على استحالة مشابهة المخلوق للخالق .
فييلجأون إلى تأويل ظواهر هذه النصوص , فيقولون أن اليد في اللغة هي الجارحة وتأتي بمعنى القوة والنعمة . والجارحة مستحيلة في حق الله عز وجل فتأول اليد إما بالنعمة أو القوة . وجواب هذا أن ظاهر هذه النصوص هو ما يليق بذات الله , وليس ما يفهم منها من معنى يختص بالمخلوق . ولما كان مقصودنا عما ينقله الأشاعرة من تأويلات للسلف فسنقتصر على المقصود .
ونحن نذكر أمثلة مما ذكروه .
- تأويل الإمام مالك والأوزاعي حديث (( ينزل ربنا )) ينزول رحمته وأمره وملائكته .
- تأويل ابن عباس وبعض التابعين الساق بالشدة في قوله تعالى (( يوم يكشف عن ساق )) , والمعنى يكشف عن شدة وأمر عظيم . وتأويل مجاهد وغيره الوجه في قوله تعلى (( فثم وجه الله )) بقبلة الله .
- تأويل الإمام احمد للمجيئ بمجيئ ثوابه في قوله تعالى (( وجاء ربك )) .
- تأويل بعض من السلف قوله تعالى (( بأعيننا )) أي بمرأى منا .
- تأويل ابن عباس اليد بالقوة في قوله (( بأيد )) .
- تاويل ابن عباس ومجاهد والسدي قوله تعالى (( بجنب الله )) بثواب الله .
الأول : ضعف ما نقل عنهم فكثير مما ينقل عن ابن عباس وغيره لا يصح , كالذي نقلوه عن الإمام مالك رحمه الله عز وجل في تأويل النزول , فهو من رواية حبيب وقد ضعفه الأئمة والمعروف عن مالك عدم التأويل . فقد سئل عن الإستواء وأجاب بما هو معروف . فينبغي التثبت في صحة ما نقل عنهم أولا .
الثاني : أن ما قالوه ليس هو التأويل الذي هو الصرف , بل هو تفسير بلازم المعنى من النص ولا يلزم من ذالك نفيهم للصفة , فتفسير من فسر قوله (( بأعيننا )) أي بمرأى منا ليس فيه نفيا لصفة العين . والمعنى عندهم تجري ونحن نراها بأعيننا .
الثالث : أن ما ذكروه ليس من آيات الصفات عند من أولها . فهم مع تأويلهم لهذه الآيات فهم لا ينفون الصفة إن ثبتت بغيرها . فابن عباس ومن أول الساق من التابعين لم يحملوا الساق في هذه الآية على أنها صفة لله عز وجل . بل حملوها على معناه اللغوي فالساق لغة هي الشدة .
فظاهر القرآن هنا لا يدل على أن الساق في الآية صفة لله عز وجل فهو لم يضف الوصف لنفسه ولم يعرفه . والذين أثبتوها صفة لله عز وجل إنما أثبتوها بالنصوص الأخرى التي تضيفها لله عز وجل . ونفس الكلام يقال عن تأويل الوجه بالقبلة , فإن الوجه يأتي في اللغة بمعنى الجهة , وتفسير الجهة بالقبلة تفسير باللازم . والسلف الذين أولوا الوجه بالقبلة هنا لم ينفوا صفة الوجه الثابتة بنصوص أخرى .
وأما تأويل (( الجنب )) فلم ينقل عن السلف أن الجنب صفة لله عز وجل , ودلالة اللفظ بحسب القرائن السياقية والحالية . وكذالك تأويل (( الأيد )) بالقوة فإن الأيد ليس جمع اليد , فأصله أيد وهو في اللغة بمعنى القوة .
فالحاصل أن من أول في مثل هذه النصوص قد دل الدليل عنده أنها ليست من آيات الصفات , ثم هو قد حمل معناها على المعنى اللغوي الظاهر منها فهو من باب التفسير وليس التاويل المصطلح عليه .
أما ما نُقل عن الإمام أحمد بتأويله المجيئ , وهذه الرواية وإن صححها البيهقي فهي من رواية حنبل . فقد قال العلماء كالذهبي وغيره أن حنبل كثيرا ما يُغرب في النقل عن الإمام أحمد . والمعروف عن الإمام احمد أنه يرفض مثل هذه التأويلات .
المراجع :
رسالة في حقيقة التأويل عبد الرحمن اليماني
التَّأويل - خُطُورَتُهُ وَآثَارُهُ عمر بن سليمان بن عبد الله الأشقر العتيبي
التفسير والتأويل في القرآن صلاح عبد الفتاح الخالدي
مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
إبطال التأويلات لأخبار الصفات أبو يعلى الفراء
ذم التأويل ابن قدامة
الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة شمس الدين ابن قيم الجوزية
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة محمد بن محمد بن عبد الكريم بن رضوان البعلي
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ابن تيمية
المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات المغراوي
الردود والتعقيبات على ما وقع للإمام النووي في شرح مسلم مشهور بن حسن آل سلمان
الأشاعرة في ميزان أهل السنة أبو عثمان فيصل الجاسم .
إبطال دعوى وقوف السلف في التأويل الفاسد علاء ابراهيم عبد الرحيم.

